المركزية- اكد مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان "اننا مع الرئيس سعد الحريري في ما يحاوله من إحداث توازن في السياسات الوطنية"، لافتاً الى "ان الذي يتسبب بالضرر للآخرين، يكون عليه ان يتوقع نزول الضرر به هو ايضا"، ومذكّراً "بأننا كنا قررنا وبالإجماع، منذ العام 2011 النأي بالنفس او الحياد إزاء ما يحدث في الجوار، وكان يمكن الالتزام به"، ومشدداً على "اننا اليوم بحاجة ماسة إلى الالتزام الكامل بسياسة النأي بالنفس، حرصا على انفسنا وعلى وطننا، ولتقليل الأضرار ان لم يمكن دفع الضرر كله".
وفي الرسالة التي وجّهها الى اللبنانيين لمناسبة ذكرى المولد النبوي، قال دريان "ايها المسلمون، ايها اللبنانيون، تحل علينا الذكرى العطرة لمولد نبينا محمد، صلوات الله وسلامه عليه، وهي ذكرى غالية وعزيزة على قلب وعقل كل عربي ومسلم. فهذا القرشي اليتيم، ابن المرأة التي كانت تأكل القديد في مكة، اختاره الله سبحانه، واصطفاه رسولا للعالمين، رحمة منه وفضلا، قال تعالى: "وما ارسلناك إلا رحمة للعالمين". ونبي الرحمة الذي نحتفي بذكرى مولده، صلوات الله وسلامه عليه، انشأ الأمة، واقام الدولة، فغيّر وجه العالم، وتركنا على المحجة البيضاء الواضحة، لا يضل عنها إلا هالك. يصفه جل وعلا في القرآن الكريم، فيقول: "وإنك لعلى خلق عظيم". ويقول واصفا تعامله مع اصحابه: "فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك، فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر، فإذا عزمت فتوكل على الله ان الله يحب المتوكلين". فالرحمة التي انزل بها، صلوات ربي وسلاماته عليه، انتشرت وعرفت بركاتها بالأمانة والأخلاق، في صغار الأمور وكبارها. ومن يزعم ان سياسة الدنيا بالأخلاق الحسنة، والقيم الفائقة القائمة على الصدق مع النفس والآخرين، تتنافى مع الحقوق، يخطئ خطأ كبيراً. فالأخلاق هي الحقوق بحد ذاتها، وهي اعتقادات وسلوك ومبادئ. فمن الأخلاق تعامله صلوات الله وسلامه عليه مع اصحابه، ومع النساء والأطفال، وتواضعه وحبه لبني البشر. ومن الأخلاق القيّمية الكبرى، ودائما بمقتضى مظلة الرحمة والعناية الإلهية: مبدأ المساواة. فقد قال الله تعالى: "هو الذي خلقكم من نفس واحدة"، وعلى هذا الأساس، اساس التساوي بين البشر في الإنسانية والحقوق، امام مجتمع المدينة الأول، ولماذا لا يكون الأمر كذلك، واعتبر الله سبحانه وتعالى في القرآن العلاقات بين البشر، قائمة على التعارف: "يا ايها الناس إنا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم ان الله عليم خبير"، اي ان الأكرم والأقرب إلى الله منكم، من آمن به تعالى واتقاه، واتبع مبدأ الرحمة، ومارسه في سلوكه، وفي علائقه بالقريب والبعيد".
اضاف "ايها المسلمون، عندما نحتفي بذكرى مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما نحتفي بهذا الخلق العظيم، خلق الرحمة والمساواة، والعدالة والود بين بني البشر. ونتعلم منه ان قيم الرحمة والعناية والتعارف، تتجلى عمليا في مفهوم المعروف. والمعروف فضائل وكرم نفس، وإحسان وخير. المعروف ما يتعارف عليه الناس في عيشهم المشترك، وفي تعاملهم، وفي تربية اولادهم، وفي علائقهم بجوارهم، وفي رؤيتهم للعالم من حولهم. والمنكر مجموعة الأفكار والممارسات السيّئة، وهي قد تكون في التعاملات التجارية، وفي الاعتداء على حرمات الناس، وفي العمل السياسي والوطني. ان الذي نريد ان ننبه إليه في ذكرى مولد نبي الهدى، اننا في حياتنا الخاصة والعامة، وحياتنا الوطنية، وفي تعاملاتنا في ما بيننا، وفي تعاملنا مع جوارنا العربي، إنما نعاني ازمة. يسأل احدنا عن حقوقه ومطامحه ومطامعه، لكنه لا يسأل عن واجباته والتزاماته. ويسأل عما يمكنه اخذه والإستئثار به، ولا يسأل عما ينال محيطه ووطنه وبني قومه من جراء ذلك. ثلاثة مفردات او كلمات او مفاهيم، تتكرر كثيراً في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي: الرحمة والمعروف والأمانة. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يعتبر الأمانة تارة جزءاً من المعروف، وتارة اخرى جزءاً من الرحمة. وهكذا، فهي رأس من رؤوس القيم الأخلاقية التي إذا غابت او تضاءلت، نزل ضرر كبير في الحياتين الاجتماعية والوطنية".
واعتبر المفتي دريان "ان من الأمانة للرسالة التي نتحملها بمقتضى الدين والأخلاق والوطنية، القول ان اخواننا العرب، وليس منذ الأزمة الأخيرة، يشكون مر الشكوى من إيذائنا، او إيذاء فئة منا لأمنهم واستقرار بلدانهم، وسط الأحداث الطاحنة التي غصّت بها منطقتنا العربية في السنوات الماضية. ولا يمكن القول اننا لا نستطيع ان نفعل شيئا إزاء ذلك، لأنه يفوق قدراتنا، فهذا القول غير صحيح وغير ملائم في تصرفات الأفراد، فكيف في تصرفات الدول"؟
واشار الى "ان هذا الخراب الذي حصل ويحصل في حواضرنا العربية، هو هول هائل، وان المطلوب منا بمقتضى الأمانة والمسؤولية، ان ننكر المنكر في الحد الأدنى بقلوبنا، وفي الحد الأوسط بألسنتنا. وها نحن نشهدك يا الله اننا لم نرض، ولا نقبل بهذا القتل والتهجير، وفجائع النساء والأطفال والشيوخ. وهل يعرف جمهورنا ان ثمانين بالمئة من المهجرين السوريين في لبنان، هم من النساء الأطفال"؟
وقال "وفي ذكرى مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، نذكر الفاجعة الهائلة التي نزلت بمصر، كنانة الله في ارضه، باستشهاد مئات المصلين في جامع للجمعة والجماعة في سيناء. قلوبنا وعقولنا مع إخوتنا واطفالنا في مصر الغالية. في سورة قريش، جاء قول الله تعالى: "الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف"، وفي ليالي معركة الخندق، في المدينة المنورة، التي كانت محاصرة، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقف في ظلمات البرد والخوف بين المدافعين عن مدينتهم، مبشّراً بمستقبل آمن لا خوف فيه. نعم، نحن العرب مستهدفون، فاللهم في ذكرى مولد نبيك، النبي العربي، نبي الرحمة والملحمة، آمن روعاتنا، وكن لنا ولا تكن علينا، واشملنا بعطفك ورحمتك ومعروفك؛ غفرانك ربنا وإليك المصير".
اضاف "ايها المسلمون، ايها اللبنانيون، نحن مررنا بأزمة وطنية مقلقة بعد استقالة الرئيس سعد الحريري، ونحن معه في ما يحاوله من إحداث توازن في السياسات الوطنية. وكما توحّد اللبنانيون من حول الرئيس الشهيد رفيق الحريري ، هم موحدون اليوم من حول الرئيس سعد الحريري للنهوض بالدولة وتفعيل مؤسساتها. ان سياسة لا ضرر ولا ضرار هي من تمام الحكمة والعدل والمنطق الذي ينبغي ان نعالج بها قضايانا، لتقوى وحدتنا الوطنية، ولكي لا يتعرض وطننا وامننا وعيشنا للأخطار، نريد ان يكون لبنان آمنا مطمئنا مستقراً موحداً نائيا بنفسه عمّا يجري في المنطقة، وحذار من التدخل في قضايا غيرنا من اشقائنا العرب. يكفينا ما فيه وطننا من ازمات".
واوضح "اننا نتوسم خيرا بالمشاورات التي اجريت وتجري في قصر بعبدا، والتي نأمل ان تظهر إيجابياتها في الأيام المقبلة، بانفتاح الجميع على التعاون، للخروج من الأزمة التي دفعت الرئيس الحريري إلى الاستقالة ثم التريث بها، إفساحا في المجال للحوار، من اجل إنقاذ لبنان، بتفاهم وطني، يُعيد استئناف عمل الحكومة، التي نحن في امس الحاجة إليها، خصوصا اننا على ابواب إجراء الانتخابات النيابية، التي ينتظرها اللبنانيون بفارغ الصبر، لانتظام الحياة الدستورية في لبنان".
وختم مفتي الجمهورية رسالة ذكرى المولد النبوي "في ذكرى مولدك يا رسول الله، صلوات ربي وسلاماته عليك، نعرف انك يا نبي الرحمة، ولدت بعد موت والدك، وفقدت امك صغيراً، ثم فقدت الجد الذي كان يرعاك. لكنك يا محمد، ايها الطفل اليتيم، من تلك البلدة غير ذات الزرع، خرجت، فغيّرت العالم، قال تعالى: "ان الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة الا تخافوا ولا تحزنوا وابشروا بالجنة التي كنتم توعدون" نحن اولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي انفسكم ولكم فيها ما تدعون" نزلا من غفور رحيم" ومن احسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين" ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي احسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم" وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم". صدق الله العظيم . وكل عام وانتم بخير".






