8:36 AMClock
دوليات
  • Plus
  • Minus

حسابات مالية وعسكرية معقدة... كلفة الاستنزاف تجمّد ضربات ترامب لإيران

كشفت صحيفة "التايمز" البريطانية، أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يواجه حسابات عسكرية ومالية معقدة قد تدفعه إلى التريث قبل استئناف الحرب على إيران، في ظل الخسائر الكبيرة التي تكبدتها القوات الأمريكية خلال المواجهات السابقة، واستمرار قدرة طهران على شن هجمات انتقامية ضد المصالح الأمريكية في المنطقة.

ورغم تصاعد تهديدات ترامب بشن ضربات جديدة تستهدف النظام الإيراني، وحشد وزارة الحرب الأمريكية قوة بحرية ضخمة تضم 3 مجموعات قتالية لحاملات الطائرات، فإن كلفة المواجهة السابقة، التي تجاوزت 43 مليار دولار، تثير تساؤلات داخل واشنطن بشأن جدوى العودة إلى العمليات العسكرية.

وأشارت الصحيفة البريطانية إلى أن ترامب، الذي هدد مراراً بتدمير النظام الإيراني منذُ توقف القصف خلال الصيف الماضي، تعهد بعدم اتخاذ أي خطوة عسكرية جديدة قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة في الثالث من شهر تشرين الثاني/نوفمبر المقبل.

خسائر بالمليارات
وتتمثل إحدى أبرز العقبات أمام استئناف الحرب في حجم الأضرار التي لحقت بالقواعد والمعدات العسكرية الأمريكية خلال عملية "الغضب الملحمي"، إذ تسببت الهجمات الإيرانية في خسائر بمليارات الدولارات، فضلاً عن استنزاف مخزونات كبيرة من الصواريخ الاعتراضية المستخدمة في أنظمة الدفاع الجوي.

وذكرت الصحيفة أن 81 طائرة عسكرية أمريكية تعرضت للتدمير أو الضرر خلال المواجهات، مشيرة إلى أن عدداً منها استُهدف بواسطة الحرس الثوري الإيراني بمساعدة معلومات استخباراتية مستمدة من الأقمار الصناعية الصينية والروسية.

وشملت الخسائر 12 مقاتلة من طراز "إف-15"، بينها 9 طائرات أصيبت نتيجة النيران الإيرانية، وطائرتان هجوميتان من طراز "إيه-10"، إضافة إلى 7 طائرات للتزود بالوقود جوًا من طراز "كيه سي-135"، تعرضت 5 منها لهجوم إيراني على قاعدة جوية في السعودية.

كما دُمرت طائرة للإنذار المبكر والتحكم الجوي من طراز "إي-3 سنتري" أثناء وجودها على الأرض، إلى جانب فقدان 45 طائرة مسيّرة من طراز "إم كيو-9 ريبر"، تبلغ تكلفة الواحدة منها نحو 34 مليون دولار.

وبلغت كلفة الحرب الأمريكية على إيران أكثر من 43 مليار دولار منذ اندلاعها في شهر شباط/فبراير الماضي، فيما وصلت النفقات العسكرية إلى نحو مليار دولار يومياً خلال ذروة العمليات.

وتضع هذه الأرقام الإدارة الأمريكية أمام خيارين محفوفين بالمخاطر؛ فإما استئناف الضربات على أمل إجبار طهران على قبول اتفاق تستطيع واشنطن تقديمه باعتباره انتصاراً سياسياً، أو مواجهة موجة جديدة من الهجمات الإيرانية التي قد تضاعف الخسائر العسكرية والمالية.

قدرات إيران العسكرية
ورغم الحصار البحري الأمريكي المفروض على موانئ تصدير النفط الإيرانية، وما ترتب عليه من أضرار واسعة للاقتصاد الإيراني، فإن طهران تمكنت من إصلاح جزء كبير من المنشآت العسكرية التي استهدفتها الضربات الأمريكية والإسرائيلية، وفق التقرير.

وأوضحت "التايمز" أن عمليات الإصلاح شملت منصات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة ومنشآت إنتاج الأسلحة، ما يمنح إيران قدرة على الرد إذا قررت واشنطن استئناف العمليات العسكرية.

وأكد الحرس الثوري الإيراني استعداده للرد على أي هجمات أمريكية جديدة، بالتزامن مع استمرار استهداف حركة الملاحة في مضيق هرمز، في رسالة تؤكد قدرة طهران على تهديد مرور ناقلات النفط عبر أحد أهم الممرات البحرية للطاقة العالمية.

وتزيد هذه التطورات من تعقيد الحسابات الأمريكية، خصوصاً أن إعادة تأهيل القواعد المتضررة واستبدال الطائرات المفقودة قد تتطلب إنفاق عشرات المليارات من الدولارات الإضافية.

ونقلت الصحيفة عن مسؤول دفاعي أمريكي رفيع سابق قوله إن الأضرار التي أصابت القواعد العسكرية، والنقص في الذخائر، ولا سيما الصواريخ الاعتراضية، إلى جانب خسائر الطائرات، تشكل جميعها عوامل مؤثرة في حسابات صناع القرار، وإن لم تكن بالضرورة حاسمة بمفردها.

وأضاف أن القرار سيتوقف بدرجة كبيرة على مدى التصعيد الإيراني في الخليج ومضيق هرمز، خصوصاً إذا تعرضت سفينة أمريكية لهجوم يسفر عن سقوط عدد كبير من الضحايا.

وأشار المسؤول إلى أن الحرب لا تحظى بتأييد شعبي واسع داخل الولايات المتحدة، وأن مستوى الدعم لها كان منخفضاً منذ بدايتها، بينما لم يقدم ترامب مبررات مقنعة للرأي العام الأمريكي بشأن ضرورة خوضها.

قواعد أمريكا في أوروبا
ولا تقتصر تداعيات الحرب على الشرق الأوسط، بل تمتد إلى مستقبل الانتشار العسكري الأمريكي في أوروبا، بعدما أثارت التهديدات الإيرانية تساؤلات بشأن قدرة القواعد الجوية على حماية الطائرات الاستراتيجية من الهجمات المسيّرة والصاروخية.

وكشفت "التايمز" أن وزارة الحرب الأمريكية سحبت 12 قاذفة بعيدة المدى من طراز "بي-1 لانسر" من قاعدة "فيرفورد" الجوية البريطانية، خشية تعرضها لهجوم إيراني باستخدام أسراب من الطائرات المسيّرة، وذلك بعدما تبين أن القاذفات كانت متوقفة في مناطق مكشوفة داخل القاعدة، ما يجعلها أهدافاً محتملة لأي هجوم.

وقدرت القوات الجوية الأمريكية تكلفة تحديث 3 قواعد تستخدمها الولايات المتحدة في بريطانيا، وهي "فيرفورد" و"لاكنهيث" و"ميلدنهال"، بنحو 4.2 مليار دولار.

وتشمل التحديثات المطلوبة إنشاء وسائل حماية للطائرات من الصواريخ والمسيّرات، إلى جانب بناء مرافق لتخزين القنابل النووية المحمولة جواً.

وتجري وزارة الحرب الأمريكية مراجعة شاملة لانتشار قواتها في أوروبا، يُتوقع الانتهاء منها بحلول شهر كانون الأول/ديسمبر المُقبل، وسط ترجيحات بأن توصي بتقليص الوجود العسكري الأمريكي، وتحميل الدول الأوروبية مسؤولية أكبر عن قدراتها الدفاعية التقليدية، مع تركيز واشنطن على توفير المظلة النووية.

وتثير هذه المراجعة تساؤلات بشأن مستقبل استخدام القواعد البريطانية من جانب القاذفات الاستراتيجية الأمريكية، بما فيها "بي-1" و"بي-52" و"بي-2"، التي اعتادت تنفيذ مهام انطلاقاً منها.

حسابات سياسية واستراتيجية
ورأى المسؤول الدفاعي الأمريكي السابق، أن سحب القاذفات من قاعدة "فيرفورد" يحمل دلالات تتجاوز المخاوف الأمنية المباشرة، إذ يعكس تراجع الثقة في إجراءات حماية القوات الأمريكية هناك، ويفتح الباب أمام إعادة النظر في الوجود العسكري التقليدي للولايات المتحدة في أوروبا.

وأضاف أن الأضرار التي لحقت بالقواعد الأمريكية في الشرق الأوسط، والتهديدات الأمنية، ورفض بعض دول حلف شمال الأطلسي السماح للطائرات الأمريكية باستخدام أجوائها خلال الحرب على إيران، عززت موقف التيار داخل الإدارة الأمريكية الذي يدعو إلى إعطاء الأولوية للدفاع عن المصالح الأمريكية في نصف الكرة الغربي.

وأشار المسؤول الأمريكي السابق إلى أن أنصار توجه "أمريكا أولاً" قد يستغلون هذه التطورات للدفع نحو تقليص الالتزامات العسكرية الخارجية، بدلاً من تخصيص مليارات الدولارات لإعادة بناء القواعد المتضررة في الخليج أو تحديث المنشآت العسكرية في أوروبا.

وبذلك، لا يرتبط قرار ترامب بشأن استئناف الحرب على إيران بمدى قدرة القوات الأمريكية على تنفيذ ضربات جديدة فحسب، بل يتصل أيضاً بحجم الخسائر التي قد تتحملها واشنطن، ومدى استعدادها للدخول في مواجهة إضافية قد تتسع إلى القواعد العسكرية والممرات البحرية، وتفرض أعباء مالية واستراتيجية تتجاوز حدود الصراع مع طهران.
 

إخترنا لك

Flat Ara
Beirut, Lebanon
oC
23 o