المركزية- ساعات قليلة بعيد اعلان الرئيس سعد الحريري استقالته من الرياض، تبلور الموقف اللبناني الرسمي منها، وعبّر عنه بوضوح رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري: الحكومة لا تزال مكتملة الاوصاف والحريري لا يزال رئيسها ولا استقالة طالما ان الأخير لم يقدّمها خطيا وشخصيا الى بعبدا. ويبدو أن هذه "المقاربة" لم تأت من عدم بل كانت مدروسة جيدا، وفق ما تقول مصادر سياسية مراقبة لـ"المركزية"، وأرادها واضعوها رسالةً الى الحريري بأنهم مستعدون لحوار جديد ولـ"تسوية" جديدة معه، يتراجع على أساسها عن استقالته ويعود الى السراي، على ان تضبط هي، ايقاع اللعبة السياسية المحلية أقلّه حتى موعد الانتخابات النيابية في أيار 2018. وانطلاقا من حرصه على عهد حليفه العماد عون، ونظرا أيضا لحاجته الى غطاء شرعي لبناني يقيه العقوبات المالية الاميركية ورياح الحزم الخليجي، لم يتأخّر حزب الله في ملاقاة التوجّهات الرسمية، فاتّسمت مواقف مسؤوليه وعلى رأسهم أمينه العام السيد حسن نصرالله منذ استقالة الحريري، بـ"الهدوء" وخلت من أي تصعيد أو رفع للسقف ضد الحريري أو فريقه، بل على العكس.
أما المساهمة الابرز "للحزب" في إنجاح خطة بعبدا، فقدّمها أمس حيث لم يكتف نصرالله في كلمته بتأكيد "انفتاحه على اي نقاش بعيد عودة الحريري"، بل ذهب ايضا الى الاعلان "رسميا" أن "الحزب" لم يرسل أي أسلحة أو صواريخ أو حتى "مسدّسا" الى اليمن، و"لم نرسِل أيّ سلاح الى اليمن أو البحرين أو الكويت أو العراق أو أي بلد عربي"، مشيرا في الموازاة الى ان "مهمة "الحزب" في العراق انتهت وعناصره سيعودون منه الى لبنان". فلمّا كان الحريري لمّح في مقابلته التلفزيونية الاخيرة الى امكانية عودته عن الاستقالة اذا تم الالتزام جديا بسياسة النأي بالنفس عن أزمات المنطقة وعلى رأسها أزمة اليمن، بدا نصرالله أمس يوّجه إشارات ايجابية الى زعيم "المستقبل" يُفهمه فيها بأن لا علاقة له بما يدور في اليمن وبأن قطار الانسحاب من الميادين العربية انطلق والعودة الى لبنان باتت مسألة وقت. من هنا، تلفت المصادر الى أن الطابة عادت الى ملعب الحريري الذي سيتعين عليه تحديد موقفه ممّا يعرضه عليه الفريق الآخر. وسيكون لقاؤه رئيس الجمهورية ربما غدا، مفصليا على هذا الصعيد: فإما يقدّم اثر مشاوراته المرتقبة مع عون استقالته رسميا اليه، أو يترّيث في هذه الخطوة، فاتحا الباب امام "تسوية" جديدة، حجر زاويتها "النأي بالنفس". وفي هذه الحال سيتعين على العماد عون تقديم ضمانات كبيرة، تؤكد ان حليفه "حزب الله" سيلتزم بها جديا ولن يكسرها كما حصل في التسوية الأولى.
في الواقع، ثمة ضغوط دولية كبرى تضطلع بها فرنسا ومصر في شكل اساسي، تدفع في اتجاه إنضاج "تسوية" داخلية جديدة تُخرج لبنان من مأزق "الاستقالة" وتعزّز استقرار البلد الصغير في ظل البراكين المتفجّرة في المنطقة، غير ان مصير هذه الجهود لا يزال ضبابيا. فعودة الحريري عن استقالته تحتاج بالتأكيد ضوءا أخضر سعوديا، إلا اذا كان الرجل قرر قطع علاقته السياسية الاستراتيجية بالمملكة، وهو أمر مستبعد وشبه مستحيل. فهل تتجاوب الرياض مع الجهود الفرنسية – المصرية وتدعم خيار تسويةٍ منقّحة مدعّمة بضمانات محلية واقليمية ودولية، وخصوصا ايرانية، بأن حزب الله سينسحب من الميادين العربية، وبأن سلاح حزب الله سيطرح على طاولة حوار لبناني؟ أم تبقى المملكة على تصلّبها الى حين اتضاح المشهد الاقليمي وما سينتجه القرار الاميركي – الخليجي بتحجيم ايران وتقليم أظافر أذرعها في المنطقة وعلى رأسهم "حزب الله"؟ قرارُ الحريري في شأن استقالته، والذي سيتظهّر في الساعات القليلة المقبلة، سيساهم في تظهير جزء كبير من الصورة، تختم المصادر.






