المركزية- أنتج التفاهم السياسي الذي ضخّ الحياة مجددا في عروق حكومة "استعادة الثقة" خصوصا، و"العهد" عموما، صورة جديدة لخريطة الاصطفافات المحلية، بحيث لم يوطّد فقط العلاقة بين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وفريقه والرئيس سعد الجريري، بل ثبّت أيضا قواعد "ربط النزاع" القائمة بين الأخير و"حزب الله"، "حفاظا على الاستقرار الداخلي" بحسب ما أكد مرارا الرئيس الحريري. الا ان قوى سياسية أخرى لا تبدو في وارد القبول بمعادلة "السكوت عن شواذاتٍ تمنع قيام الدولة الفعلية للحصول في المقابل على الاستقرار". وفي رأيها، التضحية بـ"السيادة" صونا للاستقرار، لا تجوز.
وفي السياق، تقول مصادر سياسية مطّلعة لـ"المركزية" إن نواة الفريق العتيد مؤلّفة من شخصيات وأحزاب جمعها سابقا إطار 14 آذار، كاشفة ان هؤلاء يُجرون اليوم اتصالات في ما بينهم، خلف الكواليس وبعيدا من الاضواء، محاولين ترتيب صفوفهم مجددا، في "كادر" جديد، وعينُهم على إنشاء ما يمكن تسميتها بـ"جبهة وطنية"، ترفع الصوت في وجه أي سلاح "غير شرعي" على الاراضي اللبنانية، وتطالب بالتقيد الفعلي بالقرارات الدولية وعلى رأسها الـ1559 والـ1701.
والواقع -تضيف المصادر- أن هذا الحراك الداخلي يتلاقى مع متطلّبات المرحلة اقليميا. فأركان المجتمع الدولي عموما، والولايات المتحدة وفرنسا خصوصا، يكثّفون الجهود لانهاء دور "الميليشيات" أو "الجماعات المسلحة" في المنطقة، أكان في سوريا او العراق او اليمن او لبنان، وهما يرون ان حلّها وتحويلها أحزابا سياسية "لا أكثر"، من الضرورات لتأمين "تسويات" ناجحة وطويلة الأمد لأزمات الاقليم.
وعليه، صحيح ان الخارج يضع "الاستقرار" على رأس أولوياته لبنانيا، إلا أنه لا يعتبر ان "غض الطرف" عن "حزب الله" وسلاحه وممارساته، هو الوسيلة الانجع للحفاظ على الاستقرار، بدليل البيان الذي صدر عن اجتماع المجموعة الدولية لدعم لبنان الجمعة الماضي في باريس الذي دعا في شكل مباشر لبنان الى الالتزام بالقرارات الدولية وتحديدا بالـ1559 الذي يدعو الى نزع سلاح المجموعات المسلحة في لبنان والـ1701 الذي وضع منطقة جنوب الليطاني في عهدة اليونيفيل، وحرّم أي تواجد عسكري لحزب الله داخلها. ولا بد للدولة اللبنانية تاليا ان تأخذ في الاعتبار هذا الموقف الدولي الواضح، وألا تقرأ منه فقط "التمسك بالاستقرار".
في الموازاة، تتوقع المصادر ان يحظى "التيار" اللبناني العتيد، بغطاء كنسي ماروني وازن، حتى ان بكركي قد تكون راعيته وعصبه، في صورة تذكّر بالدور الذي لعبه "الصرح" وسيّده آنذاك الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير تجاه لقاء "قرنة شهوان". وتعتبر المصادر ان مواقف البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، تعزز القناعة بأن بكركي ليست بعيدة من احتضان ومساندة "الخيارات السيادية". اذ بدا لافتا تشديد الراعي امس بعيد لقائه الرئيس الحريري في السراي على أن "النأي بالنفس لا يمكن ان نأخذه كقطعة على حدة، بل يقتضي استكمال البحث في الاستراتيجية الدفاعية"، مشيرا ايضا الى أهمية العمل لتعترف الامم المتحدة بلبنان كدولة محايدة "فنكون بلداً محايداً بالمفهوم الدولي للحياد، والذي يتضمّن داخلياً النأي بالنفس، عندها لا نعود نتكلّم عن النأي بل عن الحياد"، على حد تعبيره.
وقد يكون قول الحريري ليلا إن "الانتخابات النيابية المقبلة ستكون بين خطين: من يريد الاستقرار والأمن والاقتصاد ومن يريد فقط الصراخ والمزايدة على سعد الحريري لتحصيل مكاسب بعيدة المنال"، مؤشرا واضحا الى حراك جار لقيام تيار يطالب بالاستقرار و"السيادة" معا، تختم المصادر.






