المركزية- قلبت التطورات الدراماتيكية المتسارعة التي عصفت بالمنطقة من لبنان الى سوريا فإيران اعتبارا من ايلول 2024 الاوضاع رأساً على عقب. وما كان سارياً قبلها لم يعد كذلك في اعقابها. امبراطوريات السلاح بمفهومه التقليدي انهارت منذ لحظة تفجير اجهزة البيجر بعناصر حزب الله ثم اغتيال قادته من الرأس الى القاعدة ودكّ الضاحية الجنوبية لبيروت وقرى الجنوب وتسويتها بما تحت تحت الارض، وصولا الى توقيع اتفاق وقف اطلاق النار في 27 تشرين الثاني، استنادا الى مقترح اميركي- فرنسي التزم به الحزب وما زال، على رغم الاستهدافات اليومية الاسرائيلية والخروقات المتكررة و"اصطياد" العناصر داخل منازلهم او في وسائل النقل على الطرق واينما تواجدوا. وجع حرب الـ66 يوماً انهك الحزب الى الدرجة القصوى. ومع ان اصوات من تبقى من قياداته البديلة ما فتئت تؤكد التمسك بالسلاح ورفض تسليمه، الا وفق شروطها ، لم تخرج رصاصة واحدة من بنادقهم منذ ذلك الحين، وثبت بحسب المعطيات الميدانية ان مواقف هؤلاء لا تتعدى محاولة التقاط انفاس وشعبوية يحتاجها شارعهم المُصاب بخيبة امل غير مسبوقة.
ووقت سُدّ الشريان الحيوي السوري والمُتنفس البري الوحيد للحزب مع راعيته الاقليمية ايران، بإطاحة نظام بشار الاسد الحليف، وتسلم احمد الشرع الحكم موقتاً وخروج اذرع ايران من دمشق، لم يعد من مجال لتهريب السلاح والمُسلحين اليه، لا بل غادر منهم عدد كبير الى طهران، إما للعلاج او خوفاً من الاستهداف، جاءت حرب الاثني عشر يوما الاسرائيلية على ايران لتسدد الضربة القاضية للمحور الممانع مع اغتيال قياداته العسكرية وعلمائه النووين من الصف الاول في سيناريو مشابه تماماً لذاك الذي خططت ونفذت تل ابيب تفاصيله في لبنان، ومُنِيت طهران بالخسارة الاكبر على الاطلاق، لا سيما بعد الضربة الاميركية لمفاعلها النووية ما اضطرها مرغمة الى قبول اتفاق وقف النار، على رغم تصاريح قادتها البعيدة من الواقع وسرديات انتصارات، هي وهمية بكل المقاييس.
جبروت المحور الايراني تهاوى وادواته في المنطقة نحو العودة الى الانخراط في الحياة السياسية في مجمل الدول المتواجدة فيها. وفي السياق، تؤكد مصادر سياسية عليمة لـ "المركزية" ان عددا من عناصر الحرس الثوري الايراني الذين حضروا الى لبنان للمشاركة في جنازة الامينين العامين السابقين للحزب حسن نصرالله وهاشم صفي الدين، غادروا في الاعقاب الى طهران فيما بقي آخرون يعملون بصفة مستشارين للحزب، الا ان هؤلاء سيغادرون لبنان نهائياً في وقت قريب،ما دام الحزب لم يعد قادرا على استخدام السلاح والحاجة لتدريب عناصره انتفت بالتزامه اتفاق وقف النار، فيما تتعرض مخازن اسلحته ومستودعاته ومراكز التدريب لاستهدافات يومية مباشرة وآخرها في وادي فعرة بقاعاً، احد اهم معاقله، في حين يرتفع منسوب الضغط الداخلي والدولي لتسليم السلاح وحصره بيد الدولة، خلال اشهر لا اكثر. وتبعا لذلك، لم يعد من دور للحرس الثوري في لبنان وهو ما تقر به قيادات سياسية قريبة من الضاحية في مجالسها.






