11:12 AMClock
اقتصاد
  • Plus
  • Minus

تقرير بنك عوده الاقتصادي عن الفصل الثالث من العام 2026
تحسّن اقتصادي طفيف خلال أشهر الصيف عقب وهن الفصل الثاني من العام

المركزية- صدر التقرير الاقتصادي الفصلي الجديد لـ"بنك عوده" والذي ورد فيه انه بعد التباطؤ الشديد الذي شهده الفصل الثاني من العام في ظل تداعيات الحرب، أظهر الفصل الثالث تحسناً طفيفاً في النشاط الاقتصادي ونشاط الأسواق في لبنان، كما يتضح من خلال عدد من مؤشرات القطاع الحقيقي والمؤشرات المالية. ففي الواقع، وعلى الرغم من حالة عدم اليقين المحيطة بمسار المفاوضات والوضع الأمني في الجنوب، وما يرافق ذلك من ضغوط على زخم النشاط الاقتصادي عموماً، سجّل النشاط الماكرو-اقتصادي أداءً مقبولاً نسبياً خلال الصيف.

أولاً، سجّل عدد الوافدين عبر مطار بيروت تراجعاً سنوياً طفيفاً بنسبة 5.8% في الفصل الثالث هذا العام مقارنة بالفصل الثالث من العام الماضي. ويجدر الذكر ان الفصل الثاني كان قد شهد انخفاضاً في أعداد الوافدين بنسبة 44.4% وسط المخاوف الأمنية الواسعة النطاق. وتزامن التحسن النسبي خلال الصيف مع رفع دولة الإمارات العربية المتحدة حظر السفر إلى لبنان، إضافة إلى رفع المملكة العربية السعودية الحظر المفروض على الصادرات اللبنانية.

ثانياً، شهدت سوق سندات اليوروبوندز على وجه الخصوص ارتفاعاً في الأسعار، بالتزامن مع تعزيز الورشة  التشريعية في مجلس النواب. وقد ساهم ذلك في تحفيز الطلب على سندات الدين اللبنانية من جانب المستثمرين المؤسساتيين الأجانب خلال الأسابيع القليلة الماضية، لا سيما أن التقدم على الصعيد التشريعي يشكل ركيزة أساسية لإطلاق خطة إعادة هيكلة الدين العام. وفي هذا السياق، ارتفعت أسعار السندات الحكومية من 24 سنتاً للدولار في حزيران إلى 30 سنتاً للدولار في أيلول، أي بزيادة نسبتها 25%، مع الإشارة إلى أن أحجام التداول بقيت محدودة في ظل فترة العطلة الصيفية لبعض المستثمرين.

ثالثاً، استقرت احتياطيات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية خلال أشهر الصيف، بعدما كانت قد سجلت تراجعاً صافياً منذ اندلاع الحرب في بداية آذار، وذلك نتيجة بعض التحسن في الطلب على الليرة اللبنانية في سوق القطع. وقد جاء شبه الثبات في الاحتياطيات على الرغم من أن مصرف لبنان يسدد أكثر من 220 مليون دولار أميركي شهرياً بموجب التعاميم، إضافة إلى تسديده رواتب القطاع العام بالدولار، بما يرفع إجمالي المدفوعات إلى أكثر من 400 مليون دولار أميركي شهرياً.

رابعاً، يتمثل عامل سوقي بارز آخر في تجدد ارتفاع أسعار الذهب عالمياً وانعكاسه على احتياطيات مصرف لبنان. فمع صعود أسعار الذهب العالمية خلال الفصل الثالث، إذ ارتفع سعر الأونصة من زهاء 4,000 دولار أميركي في حزيران 2026 إلى 4,200 دولار أميركي في ايلول، يُقدّر أن احتياطيات مصرف لبنان من الذهب زادت من 37 مليار دولار أميركي في نهاية حزيران 2026 لتقترب مجدداً من عتبة 40 مليار دولار أميركي. وتجدر الإشارة إلى أن الزيادة في احتياطيات مصرف لبنان من الذهب منذ بداية الأزمة في تشرين الأول 2019 بلغت نحو 177%، أي ما يعادل 26 مليار دولار أميركي.

خامساً، ارتفعت الودائع "الفريش" لدى المصارف اللبنانية بمتوسط 144 مليون دولار أميركي شهرياً هذا العام، متجاوزة 5.6 مليارات دولار أميركي في آب. ويمثل ذلك نمواً أقوى من المسجل في العام الماضي، حين زادت الودائع "الفريش" بمقدار 107 ملايين دولار أميركي شهرياً، كما مقارنة بـ33 مليون دولار أميركي شهرياً في العام 2024. ويجدر الذكر هنا بأن العام الماضي كان قد شهد انفراجاً مهماً على الصعيدين السياسي والاقتصادي.

ويضف التقرير انه في ضوء التباينات الملحوظة بين السيناريوهات المختلفة المتوقعة لما تبقى من العام 2026 وللعام المقبل 2027، يأمل اللبنانيون اليوم أن تنتهي الحرب بصورة نهائية وقريباً، ضمن ترتيبات مسبقة تحول دون تجددها، وأن يتبنى السياسيون سلوكاً توافقياً وبنّاءً يمكن للبلاد البناء عليه بصورة منتجة، وأن ينتهج صناع السياسات مسار الإصلاح الموعود، وأن يبدي المجتمع الدولي استعداده لتقديم الدعم المنشود من أجل النهوض والتعافي بشكل عام.

وتناول التقرير في خاتمته الحسنات والسلبيات لتطبيق نظام مجلس النقد (Currency Board) في لبنان. انطلاقاً من المفهوم العام لهذا النظام، فإن من شأن مجلس النقد أن يثبّت وفقاً للقانون سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل عملة ارتكاز -على الأرجح الدولار الأميركي- مع إلزام السلطة النقدية بتحويل الليرات إلى دولارات عند الطلب، وتغطية القاعدة النقدية بالكامل، أو شبه بالكامل، بأصول أجنبية سائلة. وخلافاً لنظام الربط التقليدي، من شأنه أن يقيّد بشدة خلق النقد الاستنسابي، وعملية تمويل المصرف المركزي للحكومة، ودعم دور المقرض الأخير (Lender of last resort). وبذلك، يسعى هذا النظام إلى استبدال حرية القرار التقديري بالتزام شفاف قائم على قواعد واضحة.

ثمة مزايا محتملة عديدة لاعتماد مجلس النقد في لبنان، وتتمحور حول ما يلي:

مرتكز اسمي قوي: بعدما فقدت الليرة أكثر من 98% من قيمتها خلال الأزمة، يمكن لربط قانوني ذو مصداقية أن يخفض سريعاً حالة عدم اليقين بشأن سعر الصرف ويساعد في تثبيت توقعات التضخم. وقد ساهم التشدد في ضبط عرض النقد، ووقف تمويل الحكومة، واستقرار سعر الصرف بالفعل في تباطؤ نسبي للتضخم منذ منتصف العام 2023 على ما كان عليه في أوائل سنين الازمة.

تعزيز مصداقية السياسات والانضباط المالي: من شأن التغطية الكاملة بالاحتياطيات أن تمنع التمويل النقدي للعجز المالي وتحد من العمليات شبه المالية مستقبلاً. وفي لبنان، حيث تضررت الثقة بالمؤسسات المالية والنقدية بشدة، يمكن لبساطة القاعدة وقابليتها للتحقق أن تعززا المصداقية.

الانسجام مع الدولرة الفعلية: تعمل أجزاء واسعة من الاقتصاد النقدي في لبنان، ونظام التسعير، وتدفقات التحويلات، والتجارة الخارجية بالفعل بالدولار الأميركي. ويمكن لمجلس مرتبط بالدولار أن يضفي طابعاً رسمياً على السلوك السائد مع الإبقاء على عملة محلية للمعاملات الأصغر.

خفض تكاليف المعاملات وعلاوات المخاطر: يمكن لربط مستدام أن يخفض تكاليف تحويل العملات، ويحسن شفافية الأسعار، ويدعم - إذا اقترن بإصلاحات أوسع- التجارة والاستثمار والتحويلات المالية والوساطة المالية التدريجية.

تشجيع إعادة الرساميل وإضفاء الطابع الرسمي: من خلال ضمان قابلية التحويل بسعر شفاف وتعزيز الثقة بالعملة، يمكن لمجلس ذي مصداقية أن يشجع تدفقات رأس المال، بما يحسن السيولة ويدعم الاستثمار المنتج.

الحماية من التدخل السياسي: من شأن مجلس مستقل قانوناً يقوم بنشر نسبة تغطية الاحتياطيات أن يضيّق نطاق التدخلات الاستنسابية ويعزّز المساءلة.

غير أن تطبيق نظام مجلس النقد ينطوي أيضاً على بعض السلبيات، ومن أبرزها ما يلي:

فقدان المرونة النقدية: لن يكون بمقدور لبنان تعديل أسعار الفائدة أو سعر الصرف استجابةً للركود المحلي أو الصدمات الخارجية أو التغيرات في القدرة التنافسية. وبدلاً من ذلك، سيجري التكيف عبر الأجور والأسعار والتوظيف والسياسة المالية، ما قد يفرض تكاليف اجتماعية مرتفعة.

متطلبات احتياطي صارمة: تتطلب المصداقية أصولاً أجنبية كافية وغير مثقلة بالالتزامات لتغطية المطلوبات النقدية المحددة، إضافة إلى هامش سيولة احتياطي. ولا تعادل الاحتياطيات الإجمالية الاحتياطيات الصافية القابلة للاستخدام بحرية، لذا سيكون من الضروري إجراء تدقيق شفاف للأصول والمطلوبات.

عدم معالجة الخسائر الموروثة: لن يقوم مجلس النقد بحد ذاته بإعادة هيكلة الدين العام، أو توزيع خسائر القطاع المالي، أو إعادة رسملة المصارف القابلة للاستمرار، أو إصلاح المالية العامة، أو إصلاح قطاع الكهرباء والحوكمة. ويجب أن يكون توحيد سعر الصرف جزءاً من خطة تعافٍ شاملة.

مخاطر اعتماد سعر صرف غير ملائم: من شأن سعر مبالغ في تقييمه أن يضعف القدرة التنافسية ويستنزف الاحتياطيات، فيما يؤدي سعر أدنى من القيمة الحقيقية إلى تكريس خسائر الثروة ورفع الأسعار المحلية. وقد يفضي اختيار سعر التعادل قبل إعادة هيكلة الميزانيات إلى آثار توزيعية ملحوظة.

بقاء المصداقية عرضة للمخاطر السياسية: سيفشل المجلس إذا عاود العجز المالي الظهور، أو افتقرت بيانات الاحتياطيات إلى الشفافية، أو أضعفت الاستثناءات القاعدة، أو عدّلت السلطات سعر الصرف لاحقاً.

خلاصة القول، يمكن لمجلس النقد أن يوفر للبنان آلية قوية لتحقيق الاستقرار وتعزيز المصداقية، ولا سيما في ظل الدولرة الواسعة وعدم اليقين المحيط بالسياسات العامة الاستنسابية وفق تقرير بنك عوده. إلا أنه ينبغي النظر إليه بوصفه تتويجاً لبرنامج تعافٍ شامل، لا بديلاً عنه. ولا يكون اعتماده مبرراً إلا بعد: (1) توحيد سعر الصرف واختيار سعر صرف مستدام؛ (2) الاعتراف بشفافية بخسائر الدولة والقطاع المالي وتوزيعها؛ (3) إعادة رسملة المصارف القابلة للاستمرار ووضع ضمانات للسيولة؛ (4) إقرار قواعد مالية عامة تحد تمويل المصرف المركزي؛ و(5) سن أحكام قوية للحوكمة والإفصاح عن الاحتياطيات والمؤونات على اختلافها. ومع ترسيخ هذه الشروط المسبقة، يمكن لمجلس النقد أن يصبح مرتكزاً نقدياً دائماً يساعد في استعادة الثقة، وتعزيز الاستقرار، ودعم التعافي الاقتصادي في لبنان على نطاق واسع.

تجدون التقرير الفصلي الكامل لبنك عوده بنسخته PDF أعلاه

إخترنا لك

Flat Ara
Beirut, Lebanon
oC
23 o