المركزية- أعلن "بنك عودة" في تقريره الأخير حول الأوضاع الاقتصادية والمالية والنقدية عن الفصل الرابع من العام الفائت، أن "العام 2018 كان صعباً على الاقتصاد اللبناني، من قطاعات النشاط إلى الأسواق المالية بشكل عام، في ظل تلبّد المناخ السياسي الداخلي لاسيما خلال النصف الثاني من العام"، لكنه لم يرَ زعزعة للاستقرار النقدي في لبنان في المدى القريب "في ضوء المكانة النسبية التي تتمتّع بها عناصر الحماية المالية والنقدية لاسيما في ظل الاحتياطيات الأجنبية المرتفعة (بنسبة 80% من الكتلة النقدية بالليرة) والسيولة المصرفية المتوافرة (بنسبة 50% من الودائع بالعملات الأجنبية)"، إلا أنه اعتبر أن "التحدّي الأكبر يكمن في الحدّ من الاختلالات القائمة في أوضاع المالية العامة والتي تمثل عنصر الهشاشة الأبرز في الاقتصاد اللبناني".
ولفت إلى أن توقعاته "الماكرو اقتصادية للعام 2019 تتمحور حول نمو في الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 2.5٪ (أو 6% بالقيم الإسمية) عقب تشكيل حكومة جديدة، وبالترافق مع تقدّم بطيء على صعيد تطبيق مقرّرات مؤتمر سيدر".
نَصّ التقرير: وهنا نَصّ تقرير "بنك عودة" حول الأوضاع الاقتصادية والمالية والنقدية عن الفصل الرابع من العام 2018:
"عقب الانتهاء من إعداد هذا التقرير، شهد لبنان تشكيل حكومة وحدة وطنية، ما وضع حداً للجمود السياسي الدي استمر ثمانية أشهر منذ الانتخابات النيابية في أيار الماضي، ليتأتّى عن ذلك ردود فعل إيجابية من قبل المجتمع الدولي ويولّد انتعاشاً في الأسواق المالية المحلية بشكل عام، كما يشهد على ذلك التقلّص الملموس في مردود سندات اليوروبوندز اللبنانية وهوامش مقايضة المخاطر الائتمانية، ناهيك عن تغيّر الاتجاه في أسواق القطع والنقد. مع الإشارة إلى أن التقرير التالي يغطي العام 2018 ككل، أي قبيل تشكيل الحكومة التي طال انتظارها.
شهد القطاع الحقيقي للاقتصاد اللبناني ظروفاً صعبة نسبياً في العام 2018، لكن القطاع المالي استمر بالنمو باعتدال. عليه، فقد خفّض صندوق النقد الدولي تقديراته لنمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في لبنان إلى 1٪ في العام 2018 وذلك من 1.5% وفق توقعات سابقة. في المقابل، يقدّر مصرف لبنان النمو الاقتصادي في لبنان ما بين 1.5% و2% في العام 2018. هذا وفي حين أن العام 2018 قد سجل مزيداً من التباطؤ في النمو الاقتصادي، إلا أنه لم يشهد ركوداً بالمعنى الحقيقي للركود، أي نمو سلبي أو انكماش صافٍ في اقتصاد لبنان الحقيقي.
ويرتبط هذا التباطؤ المستمر في النمو الاقتصادي الذي ساد خلال العام 2018 بحالة من الترقب والتريث التي تشوب أوساط مستثمري القطاع الخاص الذين يتردّدون في الاستثمار في القطاعات الاقتصادية المختلفة في لبنان. أما الاستهلاك الخاص فقد سجّل نمواً معتدلاً (مستفيداً خلال العام الماضي من إقرار سلسلة الرتب والرواتب) في حين وفّر نمو الإنفاق الحكومي دعماً طفيفاً للنمو الاقتصادي في البلاد.
فمن أصل 11 مؤشر للقطاع الحقيقي، ارتفعت 5 مؤشرات بينما تراجعت 6 مؤشرات خلال العام 2018 بالمقارنة مع العام 2017. ومن بين المؤشّرات التي سجّلت نمواً إيجابياً نذكر عدد المسافرين عبر مطار بيروت الذي سجل نمواً بنسبة 7.4%، وعدد السياح (+5.8%)، والصادرات (+4.3%)، والواردات (+2.5%) وإنتاج الكهرباء (+1.2%). ومن المؤشرات التي سجلت نسب نمو سلبية نذكر مساحة رخص البناء الممنوحة (-23.1%)، وقيمة المبيعات العقارية (-18.3%)، وعدد مبيعات السيارات الجديدة (-11.3%)، وحجم البضائع في المرفأ (-7.5%)، وتسليمات الإسمنت (-5.3%)، وقيمة الشيكات المتقاصة (-2.5%).
أما على الصعيد المصرفي، فقد نمت ودائع الزبائن بقيمة 5.6 مليار دولار خلال العام 2018 (وبقيمة 6.8 مليار دولار عند إضافة ودائع القطاع المالي والقطاع العام)، مقابل 6.2 مليار دولار خلال العام 2017. هذا ونمت ودائع غير المقيمين بقيمة 2.6 مليار دولار خلال العام الماضي، مقابل 1.2 مليار دولار خلال العام السابق. أما من حيث التسليف المصرفي، فقد استقرت تقريباً محفظة التسليفات الممنوحة للقطاع الخاص خلال العام 2018 في مقابل نمو بقيمة 2.5 مليار دولار خلال العام 2017 ومتوسط نمو بقيمة 3.2 مليار دولار خلال الأعوام الخمس السابقة.
إن التحسن الملحوظ في نمو الودائع لغير المقيمين يفسّر جزئياً اتساع العجز في ميزان المدفوعات بين الفترتين. إذ سجل ميزان المدفوعات عجزاً بقيمة 4.8 مليار دولار خلال العام 2018، بالمقارنة مع عجز بقيمة 156 مليون دولار خلال الفترة المماثلة من العام السابق، وذلك في سياق تراجع حركة الأموال الوافدة واتساع العجز التجاري.
وعلى صعيد المالية العامة، سُجل تردٍ صافٍ في أوضاع المالية العامة في العام 2018 عقب التحسن النسبي خلال العام 2017. إذ ارتفع العجز المالي العام من ملياري دولار في الأشهر التسعة الأولى من العام 2017 إلى 4.5 مليار دولار في الأشهر التسعة الأولى من العام 2018، في سياق نمو في الإنفاق العام بنسبة 27% وفي الإيرادات العامة بنسبة 3%. في المقابل، بلغ الدين العام 84 مليار دولار في نهاية تشرين الثاني 2018، أي ما يقارب 148% من الناتج المحلي الإجمالي.
أما على صعيد أسواق الرساميل، فقد شهدت أسواق الأسهم وسندات الدين ضغوطات خلال العام 2018. فتلبّد المناخ السياسي الداخلي ووهن الأسواق الناشئة قد أرخى بثقله على سوق اليوروبوندز اللبنانية. إذ ارتفع متوسط المردود المثقل بمقدار 341 نقطة أساس ليصل إلى 9.95% في نهاية العام 2018، بعدما وصل إلى مستوى قياسي ناهز 11.23% في منتصف شهر أيلول 2018. أما هوامش مقايضة المخاطر الائتمانية من فئة خمس سنوات فقد أقفلت العام 2018 على 750 نقطة أساس، أي باتساع مقداره 249 نقطة أساس، بعدما تجاوزت عتبة الـ800 نقطة أساس عدة مرات خلال النصف الثاني من العام 2018. وعلى صعيد سوق الأسهم، انخفضت أسعار الأسهم المدرجة في بورصة بيروت بنسبة 15% في العام 2018 في ظل ارتفاع في تقلبية الأسعار، في حين انخفضت القيمة الإجمالية لعمليات التداول بنسبة 38% على أساس سنوي.
في ما يلي تحليل مفصل لتطورات القطاع الحقيقي والقطاع الخارجي والقطاعين العام خلال العام 2018، في حين تتطرّق الملاحظات الختامية إلى تقييم الآفاق الاقتصادية في المدى المنظور.
السِّمات الظرفيّة
- القطاع الاقتصادي الحقيقي
- الزراعة والصناعة: القطاعان الزراعي والصناعي يقفلان السنة على تحسّن طفيف
أقفل القطاعان الزراعي والصناعي العام 2018 على تحسّن طفيف مع بعض الإشارات الى انتعاش نسبي. فعلى الرغم من تلبّد المناخ السياسي المحلي، تمكّن هذان القطاعان من تحقيق نمو، خصوصاً بعد إعادة فتح معبر نصيب الحدودي بين سورية والأردن، الذي طال انتظاره.
فقد تحسّن أداء القطاع الزراعي بالمقارنة مع العام 2017 على صعيدَيْ الصادرات والواردات معاً. ذاك أن الصادرات الزراعية زادت بنسبة 8,4% في الأشهر الأحد عشر الأولى من 2018 (مقابل -0,5% في الفترة ذاتها من 2017)، بينما زادت الواردات الزراعية بنسبة 8,1% لتلبية الطلب المحلي (مقابل +8,4% في الفترة ذاتها من 2017).
كذلك شهد القطاع الصناعي نمواً في العام 2018 حيث سُجّل تحسّن طفيف على مستويَي الصادرات والواردات. فقد ارتفعت الواردات الصناعية بنسبة 1,9% على أساس سنوي (+1,7% في الفترة ذاتها من العام 2017)، فيما ازدادت الصادرات الصناعية بنسبة 3,8% في الفترة ذاتها (-5,4% في الفترة نفسها من العام 2017).
في الواقع، يجدر الذكر أن الصادرات الزراعية والصناعية تحسّنت قليلاً بعد إعادة فتح معبر نصيب بين سورية والأردن، والذي استمرّ إغلاقه ثلاث سنوات بسبب الحرب في سورية. فكان أن أدّى هذا الإقفال عام 2015 الى قطع شريان حيوي يصل لبنان بالسوقين الأردنية والخليجية. على سبيل المثال، فإن البضائع اللبنانية التي يلزمها 20 يوماً للوصول الى سوق الخليج العربي عبر البحر تحتاج الآن الى أقلّ من ذلك بكثير لبلوغ مقاصدها.
في الوقت نفسه، استمرّ تراجع تمويل المؤسّسات الصغيرة والمتوسطة عبر القروض المصرفية الممنوحة بضمانة شركة "كفالات" خلال النصف الأول من العام 2018. فآخر المعطيات المتوافرة تبيّن أن القيمة الإجمالية لهذه القروض انخفضت بنسبة 24,4% على أساس سنوي لتبلغ 28,8 مليون دولار. كما انخفض عدد قروض " كفالات" بنسبة 28,1% على أساس سنوي. في التفاصيل، انخفض التمويل الممنوح للقطاع الزراعي بنسبة 35,7% في النصف الأول من 2018 وتلك الممنوحة للقطاع الصناعي بنسبة 20,8% على أساس سنوي.
بالإضافة الى ذلك، منحت وزارة الصناعة 476 إجازة صناعية في النصف الأول من العام 2018، أي بزيادة نسبتُها 45% مقارنةً مع الفترة ذاتها من العام 2017. وتشمل هذه الإجازات الترخيص لمؤسّسات جديدة والموافقة على توسيع نطاق الإستثمار وإجازات استثمار وتجديد إجازات. كذلك، أصدرت وزارة الصناعة 139 إجازة لإنشاء مصانع جديدة، معظمها لإنتاج التوابل والمخلّلات والمشروبات التقليدية غير الكحولية. كما أعطت الوزارة تراخيص لمعامل تعبئة المياه فيما كانت هذه التراخيص سابقاً من صلاحية وزارة الصحة.
نشير الى أن البنك الاوروبي للتنمية والتعمير (EBRD) أطلق برنامجاً لتقديم المشورة الى المؤسّسات اللبنانية الصغيرة، العاملة في عدد من القطاعات الزراعية والصناعية. يستهدف البرنامج المؤسّسات الصغيرة والمتوسطة التي تشكّل 90% من نشاط القطاع الخاص المحلي. ومن خلال هذا البرنامج، يقدّم البنك مجموعة واسعة من الخدمات الإستشارية للمؤسسات على غرار التخطيط الإستراتيجي، والتسويق، والإدارة التشغيلية، وجودة الأداء والفعاليّة الطاقيّة والإدارة المالية.
أخيراً، من المفترض أن يجني القطاعان الزراعي والصناعي اللبنانيّان مزيداً من الفائدة مستقبلاً من إعادة فتح بعض المعابر التجارية البرّية ومن جهود إعادة الإعمار في سورية. ومن شأن إعادة فتح معبر نصيب على الحدود السورية-الأردنية أن تؤدّي هذه السنة الى نمو الصادرات الزراعية والصناعية اللبنانية.
- البناء: القطاع العقاري في مواجهة أوضاع صعبة خلال العام 2018
في العام 2018، سجّل القطاع العقاري اللبناني بمختلف مؤشّراته أداء سلبيّاً. فتراجُع الطلب جرّاء وقف القروض السكنية المدعومة وتلبُّد الأوضاع السياسية والإقتصادية المحلية ولّدا المزيد من الضغوط على القطاع.
في هذا السياق، شهد السوق العقاري تراجعاً في عدد المبيعات العقارية وقيمتها. فقد انخفض عدد هذه المبيعات بنسبة 17,4% على أساس سنوي متراجعاً من 73,541 عملية في العام 2017 الى 60,714 عملية في العام 2018، علماً أن هذا العدد كان قد ارتفع بنسبة 14,5% في العام 2017. وانخفض عدد المبيعات العقارية للأجانب بنسبة 11,0% من 1,364 عملية في العام 2017 الى 1,214 عملية في العام 2018.
كذلك، انخفضت قيمة المبيعات العقارية بنسبة 18,3% على أساس سنوي لتبلغ 8,134.3 مليون دولار في العام 2018. وقد شمل انخفاض قيمة المبيعات العقارية معظم المناطق، وبخاصة لبنان الشمالي (-31,7%)، وبعبدا (-22,4%)، والمتن (-22,1,%). كما انخفض متوسط قيمة الصفقة العقارية الواحدة من 135,356 دولاراً في العام 2017 الى 133,977 دولاراً في العام 2018، عاكساً المنحى الذي سلكه في السنة السابقة.
أما العرض فقد واكب حركة الطلب، نظراً لبقاء حالة السوق على تردّيها فترةً طويلة، ما اضطرّ المطوّرين العقاريّين لإبطاء أو حتى لإيقاف بعض أعمال البناء التي يقومون بها ريثما تتحسّن أوضاع السوق. وعليه، انخفضت المساحة الإجمالية لرخص البناء الجديدة، والتي تشكّل مؤشراً على حركة البناء المستقبلية، بنسبة 23,1% على أساس سنوي العام 2018، بعد انحسارها بنسبة 4,1% في العام 2017، حسب إحصاءات نقابتَيْ المهندسين في بيروت وطرابلس.
وقد بلغت المساحة الإجمالية لرخص البناء الجديدة 9,019,583 متراً مربّعاً في العام 2018 مقابل 11,730,386 متراً مربّعاً في العام 2017. ويبيّن التوزّع الجغرافي لهذه الرخص أن الإنخفاض أصاب معظم المناطق، إلاّ أن بيروت وجبل لبنان سجّلا أعلى نسب من التراجع في العام 2018 (-48,9% و –25,6% على التوالي). ولا يزال جبل لبنان يستأثر بحصة الأسد من مجموع مساحات الرخص الجديدة (38,8%)، يليه لبنان الشمالي (21,6%)، ثم لبنان الجنوبي (16,7%)، فالبقاع (9,6%)، فالنبطيّة (9,3%)، فبيروت (4,0%).
بالتوازي، انخفضت كمّيات الإسمنت المسلّمة، والتي تشكّل مؤشراً ثانوياً على حركة البناء، بنسبة 5,3% على أساس سنوي لتبلغ 4,471,573 طنّاً في الأشهر الأحد عشر الأولى من العام 2018، مقابل 4,722,072 طنّاً في الأشهر الأحد عشر الأولى من العام 2017.
بناءً عليه، من الواضح أن السوق العقاري اللبناني، الذي كان يعاني تباطؤاً في السنوات القليلة الماضية، شهد في العام 2018 أوضاعاً صعبة على مستوى كافة مكوّناته.
- التجارة والخدمات: نمو متفاوت لمكوّنات القطاع الثالث في العام 2018
في العام 2018، سجّلت مكوّنات قطاع التجارة والخدمات أداءً متفاوتاً بحيث حقّـق النشاط السياحي نتائج جيدة فيما بقي النشاط الفندقي والتجارة البحرية والإنفاق الإجمالي عرضةً لضغوط خفيفة.
فعدد السيّاح والمغتربين اللبنانيّين الذي أمضوا عطلهم في وطنهم الأم انعكس إيجاباً على حركة المطار، بحيث ازداد عدد المسافرين عبر مطار رفيق الحريري الدولي بنسبة 7,4% في العام 2018 بفعل ازدياد عدد السيّاح بنسبة 5,8% على أساس سنوي بعد ازدياده بنسبة 10,0% في العام 2017. وقد بلغ عدد السيّاح 1,963,917 سائحاً في العام 2018 مقابل 1,856,795 سائحاً في العام 2017.
في التفاصيل، شكّل السيّاح القادمون من البلدان العربية والأوروبية القسم الأكبر من المجموع، أي ما يعادل 35,9% (705,969 سائحاً) و28,6% (562,535 سائحاً) على التوالي. تلاهم السيّاح القادمون من الأميركيّتين والذين بلغت نسبتهم 18,2% (357,764 سائحاً)، فمن القارة الآسيوية (7,2% أو 140,716 سائحاً)، ثم من القارة الأفريقيّة (5,5% أو 108,608 سيّاح).
بالتوازي، ارتفعت قيمة المشتريات المعفاة من الضريبة على القيمة المضافة بنسبة 6,5% حسب شركة غلوبال بلو، تدليلاً على نمو النفقات السياحية وتماشياً مع ارتفاع عدد السيّاح.
غير أن تحسّن الحركة السياحية لم ينعكس مباشرةً على القطاع الفندقي. فحسب إحصاءات مؤسسة إرنست إند يونغ، سجّل القطاع الفندقي تباطؤاً في نسبة الإشغال بينما تحسّن متوسط سعر الغرفة الواحدة ومتوسط مردود الغرفة المتوافرة.
ففي الواقع، بلغ معدل نسبة إشغال فنادق العاصمة من فئتَيْ 4 و5 نجوم 64,6% في الأشهر الأحد عشر الأولى من العام 2018 مقابل 64,7% في الفترة ذاتها من العام 2017. وكان معدل نسبة الإشغال في فنادق بيروت أعلى خامس معدل بين 14 مدينة مشمولة بالدراسة في المنطقة. وارتفع قليلاً متوسط سعر الغرفة الواحدة ليصل الى 186 دولاراً خلال تلك الفترة، فيما كان رابع أعلى متوسط في المنطقة. وكان معدل ارتفاع سعر الغرفة الواحدة الخامس بين المدن الأربع عشرة. أما متوسط مردود الغرفة الواحدة المتوافرة، فارتفع بنسبة 0,8% على أساس سنوي ليبلغ 120 دولاراً في الأشهر الأحد عشر الأولى من العام 2018 مقابل 119 دولاراً في الفترة ذاتها من العام 2017. واحتلّت بيروت المركز الخامس في المنطقة من حيث ارتفاع متوسط مردود الغرفة الواحدة المتوافرة.
على صعيد النقل البحري، انخفضت ايرادات مرفأ بيروت بنسبة 3,5% في العام 2018، لتبلغ 231,5 مليون دولار مقابل 240,0 مليون دولار في العام 2017. بالتوازي، انخفض عدد الحاويات بنسبة 2,6% ليبلغ 874,246 حاوية في العام 2018، فيما انخفض عدد البواخر الراسية في المرفأ بنسبة 1,9% ليبلغ 1,872 باخرة. أما حجم البضائع في المرفأ فانخفض هو أيضاً بنسبة 7,5% ليبلغ 7,985 ألف طن في العام 2018 بعد تراجعه بنسبة 1,2% في العام 2017.
أخيراً، انخفضت القيمة الإجمالية للشيكات المتقاصة والتي تشكّل أحد مؤشّرات الإنفاق الإستهلاكي والإستثماري في الإقتصاد اللبناني، بنسبة 2,5% في العام 2018، معبّرةً عن تراجع نسبي للإنفاق الإجمالي في السنة الفائتة. وقد انخفضت القيمة الإجمالية لهذه الشيكات المتقاصة من 68,236 مليون دولار في العام 2017 الى 66,560 مليون دولار في العام 2018.
- القطاع الخارجي: نمو سنوي معتدل لعجز الميزان التجاري
سجّل إجمالي حركة التجارة الخارجية نمواً معتدلاً بلغت نسبتُه 2,8% في الأشهر الأحد عشر الأولى من العام 2018، بارتفاع أرقامها من 20,6 مليار دولار الى 21,1 ملياراً، حسب احصاءات المديرية العامة للجمارك. وقد نتج هذا النمو المتواضع نسبياً عن نمو الوادرات بنسبة 2,5% مقابل ارتفاع الصاردات بنسبة 4,3%. ومن جرّاء ذلك، ارتفع عجز الميزان التجاري بنسبة 2,2%، أي من 15,4 مليار دولار الى 15,7 مليار دولار خلال هذه الفترة.
بموازاة ذلك، وفي ظلّ انحسار التدفقات المالية الوافدة وارتفاع عجز الميزان التجاري في الأشهر الأحد عشر الأولى من السنة المنصرمة، كان من الطبيعي أن يسجّل ميزان المدفوعات مزيداً من العجز، بحيث ارتفع هذا الأخير من 156 مليون دولار في العام 2017 الى 4,8 مليار دولار في العام 2018. وقد تأتى هذا العجز عن انخفاض الموجودات الخارجية الصافية للمصارف بقيمة 2,5 مليار دولار وتراجع الموجودات الخارجية الصافية لمصرف لبنان بقيمة 2,3 مليار دولار في العام 2018.
في هذا السياق، بلغت قيمة الواردات 2,7 مليار دولار في الأشهر الأحد عشر الأولى من العام 2018 مقابل 2,6 مليار دولار في الفترة ذاتها من العام 2017. ونشير الى أن الصادرات عبر مطار بيروت زادت بنسبة 8,1% والصادرات عبر مرفأ بيروت زادت بنسبة 4,6%، فيما انخفضت الصادرات البريّة عبر سورية بنسبة 22,2%، وتحديداً من 225 مليون دولار الى 175 مليون دولار.
ويبيّن توزّع الصادرات حسب أنواع المنتجات أن الصادرات من المنتجات البلاستيكية زادت بنسبة 19,9% على أساس سنوي في الأشهر الأحد عشر الأولى من العام 2018، تلتها الصادرات من المعادن والمنتجات المعدنية (+18,0%)، ثم من المنتجات الكيميائية (+12,3%)، والمجوهرات (+10,8%). في المقابل، كانت الصادرات من السلع الغذائية هي التي سجّلت أكبر نسبة من الانخفاض (-15,8%)، تلتها الصادرات من الورق والمنتجات الورقية (-0,8%).
أما توزّع الصادرات حسب بلدان المقصد فيُظهر أن تلك المرسَلة الى الإمارات العربية المتحدة سجّلت النسبة الأكبر من النمو (+83,0%)، تلتها الصادرات الى قطر (+38,6%)، ثم الى تركيا (+19,4%)، ومصر (+8,6%). في المقابل، انخفضت في الفترة ذاتها الصادرات الى جنوب أفريقيا بنسبة 44,1%، تلتها تلك المرسلة الى سورية (-20,1%)، ثم الى العراق (-15,7%)، فإلى الكويت (-15,3%)، والمملكة العربية السعودية (-12,8%).
ويبيّن توزّع الواردات حسب أنواعها أن النمو الأبرز كان من نصيب المجوهرات (+35,7% على أساس سنوي)، تلتها المعدّات والسلع الكهربائية (+21,5%)، ثم الماشية ومنتجات المملكة الحيوانية (+17,4%)، فالمنتجات الكيميائية (+4,2%)، والخضار (+1,4%). في المقابل، انخفضت الواردات من المركبات والسيارات بنسبة 10,5%، تلتها الواردات من الإسمنت والحجارة (-8,0%)، ثم الواردات من المنتجات المنجمية (-5,4%) في الأشهر الأحد عشر الأولى من العام 2018 بالمقارنة مع الفترة المماثلة من العام 2017.
أما توزّع الواردات حسب بلدان المنشأ، فيُظهر أن تلك الآتية من الإمارات العربية المتحدة هي التي سجّلت النسبة الأكبر من النمو (+71,5%)، تلتها الواردات الآتية من المملكة العربية السعودبة (+35,4%)، ثم من سويسرا (+34,5%)، واليونان (+26,2%)، وتركيا (+22,5%)، والصين (+10,1%). في المقابل، تراجعت الواردات الآتية من روسيا الإتحادية بنسبة 20,4%، تلتها تلك الآتية من إيطاليا (-10,1%)، ثم من فرنسا (-7,4%)، ومن الولايات المتحدة الأميركية (-4,2%) في الأشهر الأحد عشر الأولى من العام 2018.
- القطاع العام: ارتفاع نسب الدين والعجز العام لكنها لا تزال دون مستوياتها القياسية
تظهر إحصاءات وزارة المالية التي تشمل الأشهر التسعة الأولى من العام 2018 أن عجز المالية العامة سجّل نمواً نسبياً في هذه الفترة، حيث بلغ 4,5 مليار دولار في ظلّ ازدياد النفقات الإجمالية بنسبة 27% والإيرادات الإجمالية بنسبة 3%. ويتّضح أن نمو النفقات العامة الإجمالية ناتج عن سلسلة الرتب والرواتب الممنوحة لموظفي القطاع العام والتي تجاوزت كلفتها الأرقام الملحظة لها في الموازنة، في حين أن النمو الزهيد للإيرادات العامة، رغم زيادة الضرائب في الفصل الأخير من العام 2017، عائد الى التباطؤ الاقتصادي الناجم عن ضعف نشاط الاقتصاد الحقيقي والى تأثير القاعدة المرتفعة للضرائب غير المتكرّرة التي تمّت جبايتها عام 2017 على إثر عمليات الهندسة المالية.
وقد تأتّت زيادة النفقات الإجمالية عن ارتفاع نفقات الخزينة بنسبة 56% وارتفاع نفقات الموازنة بنسبة 24% في الأشهر التسعة الأولى من العام 2018. ويعود ارتفاع نفقات الموازنة الى ازدياد النفقات العامة بنسبة 34,2% (وبخاصة زيادة الأجور) وازدياد عجز مؤسسة كهرباء لبنان بنسبة 38% وازدياد خدمة الدين العام بنسبة 8%. وبعد تنزيل خدمة الدين، يسجّل الرصيد الأولي عجزاً بقيمة 0,6 مليار دولار في الأشهر التسعة الأولى من العام 2018.
أما نمو الإيرادات العامة فنتج عن ازدياد ايرادات الخزينة بنسبة 13% وإيرادات الموازنة بنسبة 2% على أساس سنوي. ويعود ازدياد إيرادات الموازنة الى ارتفاع الإيرادات المتأتّية من قطاع الاتصالات بنسبة 23% والى ازدياد الإيرادات المتأتّية من الضريبة على القيمة المضافة بنسبة 11% بينما انخفضت الإيرادات الجمركية بنسبة 4% وتراجعت الإيرادات المختلفة بنسبة 1%.
ويبيّن تحليل العجز العام (4,5 مليار دولار في الأشهر التسعة الأولى من العام 2018) حسب الفصول أن الفصل الأول سجّل العجز الأكبر (1,8 مليار دولار، أي 40% من النفقات الإجمالية)، يليه الفصل الثالث (1,5 مليار دولار، أي 35% من النفقات الإجمالية)، وأخيراً الفصل الثاني (1,2 مليار دولار، أي 27% من النفقات الإجمالية). وعليه، يقارب عجز الأشهر التسعة الأولى 34% من النفقات الإجمالية في المتوسط، أي ما نسبته 10,6% من الناتج المحلي الإجمالي. ومع أن العجز العام يبرز كنقطة ضعف أساسيّة بالنسبة الى مالية الدولة اللبنانية ويقتضي خفضه بصورة عاجلة وملحّة، إلا أنه يبقى دون المستويات القياسية التي بلغها قبل عقد مضى، علماً أن لبنان كان قادراً آنذاك على صون استقراره المالي في ظروف أصعب في ماليته العامة.
في المقابل، تُظهر آخر الأرقام المنشورة من قبل وزارة المالية أن الدين العام الإجمالي بلغ 83,6 مليار دولار في تشرين الثاني 2018، أي بزيادة نسبتُها 5,2% مقارنةً مع كانون الأول 2017. وقد ازداد الدين العام بالليرة اللبنانية بنسبة 2,3% مقارنة مع كانون الأول 2017 لتوازي قيمته 50,3 مليار دولار في تشرين الثاني 2018. أما الدين العام بالعملات الأجنبية، فقد ازداد بنسبة 9,8% مقارنةً مع كانون الأول 2017 ليناهز 33,4 مليار دولار أميركي في تشرين الثاني 2018. في هذا السياق، تراجعت ودائع القطاع العام لدى مصرف لبنان بنسبة 28,2% مقارنةً مع كانون الأول 2017 لتبلغ ما يوازي 4,2 مليارات دولار في تشرين الثاني 2018. أما ودائع القطاع العام لدى المصارف التجارية فقد زادت بنسبة 2,3% مقارنةً مع كانون الأول 2017 لتبلغ 4,4 مليار دولار في تشرين الثاني 2018. وبعد تنزيل ودائع القطاع العام لدى مصرف لبنان والمصارف التجارية من مجموع الدين العام، يكون الدين العام الصافي قد ازداد بنسبة 8,2% مقارنةً مع كانون الأول 2017 لتصل قيمته الى 75,0 مليار دولار في تشرين الثاني 2018. أما الدين العام الصافي بالليرة اللبنانية فبلغ ما يوازي 41,7 مليار دولار في تشرين الثاني 2018، أي بزيادة نسبتُها 7,0% مقارنةً مع كانون الأول 2017. وبالقياس الى حجم الإقتصاد المحلي، تقدَّر نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي بـــــ148,0% في تشرين الثاني 2018، وهي تواصل مسارها التصاعدي منذ بضع سنوات مع أنها لا تزال دون المستوى القياسي الذي بلغته في العقد الماضي، والبالغ 185%.
1-4- القطاع المالي
1-4-1- الوضع النقدي: شبه استقرار الموجودات الخارجية لمصرف لبنان وأول ارتفاع لفوائد سندات الخزينة بالليرة في العام 2018.
في ظلّ استمرار مأزق تشكيل الحكومة واشتداد التوتّـرات السياسية المحلية، اتّسمت الأوضاع النقدية في العام 2018 بتحويلات صافية لمصلحة العملات الأجنبية في سوق القطع، وبشبه استقرار الموجودات الخارجية لمصرف لبنان رغم سداد سندات يوروبوند مستحقّة نقداً، وبارتفاع معدلات الفوائد على السندات بالليرة وبنمو ملحوظ لمحفظة شهادات الإيداع بالليرة المصدرة من قبل المصرف المركزي.
فالموجودات الخارجية لمصرف لبنان تراجعت قليلاً في العام 2018، أي بما قيمته 2,3 مليار دولار لتبلغ 39,7 مليار دولار في كانون الأول الفائت. ويُعزى ذلك بخاصة الى تسديد ثلاثة إصدارات يوروبوند محرّرة بالدولار الأميركي واليورو بما يناهز 2,230 مليون دولار في حزيران وتشرين الثاني 2018، والى موجة تحويلات صافية لمصلحة العملات الأجنبية خلال النصف الثاني من السنة الفائتة مع تنامي الشكوك حيال تشكيل الحكومة، ما عطّل الأثر الإيجابي لعمليات المقايضة (السواب) التي أُجريت في أيار 2018. وفي هذا السياق، كرّر حاكم مصرف لبنان مراراً عدة التأكيد على "أن الليرة اللبنانية مستقرة وأن لدى المصرف المركزي الإمكانات الكفيلة بالدفاع عن استقرار العملة الوطنية"، مشدّداً على أن الإستقرار النقدي سوف يتعزّز حالما يبدأ تنفيذ الإصلاحات المنتظرة والموعودة للتخفيف من عجز الموازنة.
وفي الواقع، بلغت نسبة تغطية الكتلة النقدية بالليرة بالموجودات الخارجية لمصرف لبنان 77.1% في كانون الأول 2018 مقابل 80,0% في كانون الأول 2017، أي أعلى بكثير من المتوسط المسجّل في البلدان ذات التصنيف المماثل لتصنيف لبنان(41,6%)، ما يؤكّد قدرة مصرف لبنان البارزة على الدفاع عن ثبات سعر الصرف الإسمي.
أما فائدة من يوم الى يوم (الإنتربنك)، والتي تعكس حركة سوق القطع، فقد شهدت تقلّبات حادّة في النصف الثاني من العام 2018 بسبب قلّة السيولة بالليرة في السوق النقدية، بحيث وصلت الى 75% في شهر كانون الأول الماضي، وهو أعلى مستوى لها منذ استقالة الرئيس سعد الحريري في تشرين الثاني 2017، قبل أن تنخفض الى 35% في أواخر العام 2018، ثم تعود الى مستوياتها العادية (دون العشرة في المئة) في آخر كانون الثاني 2019 عقب مواقف الدعم المعلنة من قبل بعض الدول الخليجية.
بالتوازي، بلغت الإكتتابات الإجمالية للجهاز المالي (المصارف ومصرف لبنان) بسندات الخزينة بالليرة 28,557 مليار ليرة لبنانية في العام 2018 مقابل 27,216 مليار ليرة في العام 2017، أي بزيادةٍ نسبتُها 4,9% على أساس سنوي. ونشير الى أن هذه الاكتتابات تشمل اكتتابات مصرف لبنان، في الفترة الواقعة بين حزيران وتشرين الثاني 2018، بسندات من فئة ثلاث سنوات وخمس سنوات وسبع سنوات وعشر سنوات بقيمة 8,250 مليار ليرة بفائدة 1% في إطار عمليات المقايضة التي أجراها خلال شهر أيار 2018 والتي بادل خلالها المصرف المركزي سندات خزينة بالليرة من محفظة سنداته المملوكة بالليرة بقيمة إجمالية توازي 5,5 مليار دولار مقابل سندات يوروبوند مصدرة حديثاً، مع اكتتابه بسندات خزينة بالليرة بفائدة 1%. وهنا، تجدر الإشارة الى أن محفظة سندات الخزينة بالليرة المملوكة من مصرف لبنان زادت بقيمة 2,361 مليار ليرة عام 2018 مقابل زيادة قدرها 5,165 ملياراً عام 2017.
وفي ما يخصّ معدلات الفوائد، بدأت وزارة المالية رفع معدلات الفوائد على السندات بالليرة في كانون الأول 2018، من خلال إصدارات خاصة لسندات خزينة من فئتَي 10 سنوات و15 سنة تحمل قسائم بفائدة 10,0% و10,5%، مقابل 7,46% و7,90% على التوالي سابقاً، مع السماح للمكتتبين بالمقايضة بين ودائع لأجَل بالليرة لدى مصرف لبنان أو شهادات إيداع بالليرة مُصدرة من مصرف لبنان وبين سندات الخزينة هذه. ثم تواصل رفع معدلات الفائدة في كانون الثاني 2019، حيث رفعت وزارة المالية هذه المعدلات على سندات الخزينة من فئة الثلاثة أشهر الى سبع سنوات بمقدار 0,86% الى 1,92% بعدما كانت معدلات الفوائد قد حافظت على ثباتها طوال أكثر من عشر سنوات.
من جهة أخرى، شهدت محفظة شهادات الإيداع بالليرة زيادة ملحوظة، بقيمة 11,869 مليار ليرة في العام 2018 لتصل قيمتها الى 47,734 مليار ليرة في كانون الأول، وذلك بخاصة نتيجة عمليات مصرف لبنان التي أجازت للمصارف الإكتتاب بشهادات إيداع بالليرة أطول أجلاً مقابل تحويلات من النقد الأجنبي الى الليرة. وقد جاء ذلك بعد نمو محفظة شهادات الإيداع بالليرة بمقدار أقلّ بكثير لا يتعدّى 1,234 مليار ليرة في العام 2017.
أخيراً، على مستوى تقلَص هامش الوساطة المصرفية، يتَضح أن نسبة اكتتابات الجمهور المباشرة بسندات الخزينة بالليرة إلى الكتلة النقدية بالليرة M2)) بلغت 14,9% في كانون الأول 2018 مقابل 13,6% في كانون الأول 2017، نتيجة الزيادة السنوية لسندات الخزينة بالليرة المملوكة من الجمهور وتقلّص الكتلة النقدية بالليرة. أما على صعيد المفاعيل الإستبعادية، فقد زادت حصة الدولة من الديون المصرفية من 34,9% في كانون الأول 2017 الى 36,3% في كانون الأول 2018، عاكسةً بوجه خاص شراء المصارف من مصرف لبنان سندات يوروبوند بقيمة 3 مليارات دولار إضافة الى انحسار ميل المصارف لإقراض القطاع الخاص المقيم في ظلّ ركود الحركة الإقتصادية، كما يُظهر تراجع التسليفات للقطاع الخاص المقيم بنسبة 3,1% عام 2018.
ختاماً، يمكن القول أنه بعيد تشكيل الحكومة الجديدة، فإن الشروع في تنفيذ الإصلاحات المالية المدرجة في مقــرّرات مؤتمر سيدر من شأنه أن يعزز عامل الثقة في البلاد، وعكس المنحى السائد في أسواق الرساميل وزيادة التدفقات الوافدة الى القطاع المالي ورفع نسبة تغطية الكتلة النقدية بالموجودات الخارجية الصافية.
1-4-2- النشاط المصرفي: سيولة سليمة ونمو مُرضٍ للودائع في سنة صعبة
عام 2018، عرف القطاع المصرفي سنة صعبة في ظلّ توتّــرات سياسية محلية وعجز عن تشكيل حكومة جديدة لأشهر طويلة. غير أن الثقة بالنظام المصرفي وثبات قاعدة الودائع والسيولة المصرفية السليمة مكّنت القطاع من مواجهة الصعوبات ومن تحقيق نمو في الودائع، وإن أقل من النمو المسجّل في السنوات السابقة، التي تشكّل المحرّك التقليدي لنشاط القطاع.
فالنشاط المصرفي، المُقاس بالميزانية المجمّعة للمصارف العاملة في لبنان، نما بنسبة 13,8% ليوازي مجموع هذه الميزانية 250 مليار دولار في كانون الأول 2018. أما ودائع الزبائن لدى القطاع المصرفي، والتي تشكّل المحرّك الأساسي لنشاط هذا الأخير وتستأثر بما نسبته 70% من الميزانية المجمّعة للقطاع، فسجّلت في العام 2018 نمواً معتدلاً بنسبة 3,3%، أي بما قيمته 5,6 مليار دولار، إثر نمو ملحوظ في كانون الأول الفائت عائد جزئياً الى إقفال الميزانيات السنوية. تجدر الإشارة إلى أن إجمالي ودائع القطاع المصرفي، والتي تتضمن ودائع الزبائن وودائع القطاع المالي وودائع القطاع العام، قد نمت بقيمة 6,8 مليار دولار في العام 2018.
وفي العام 2018، تأتّى نمو ودائع الزبائن بمعظمه عن الودائع بالعملات الأجنبية (+6,2%) فيما سجّلت الودائع بالليرة اللبنانية تراجعاً بنسبة 2,9%، ما أدّى الى ارتفاع نسبة دولرة الودائع إلى 70.6% في نهاية السنة مقابل 68,7% في كانون الأول 2017، وهي المرّة الأولى منذ تشرين الأول 2008 التي تتخطى فيها هذه النسبة سقف الــ70%. وقد بلغت حصة غير المقيمين حوالي 50% من الودائع الجديدة في العام 2018، علماً أن غير المقيمين يشكّلون 22% من قاعدة ودائع الزبائن الإجمالية في لبنان، مقابل حصة قدرها 19% من نمو الودائع في العام 2017.
لا شكّ في أن ارتفاع معدلات الفوائد، الذي هو اتّجاه عالمي أيضاً، قد ساهم في اجتذاب الودائع في العام 2018. فمتوسط معدلات الفائدة على الودائع لأجَل بالليرة في القطاع المصرفي بلغ 9,13% في كانون الأول 2018، أي بزيادة 222 نقطة أساسية في سنة واحدة، بينما بلغ متوسط معدلات الفائدة على الودائع لأجَل بالدولار الأميركي 5,76%، أي بزيادة 134 نقطة أساسية.
نشير الى أن النمو السنوي للودائع بقيمة 5,6 مليار دولار كاف لتلبية الحاجات التمويلية للاقتصاد اللبناني بقطاعَيه العام والخاص، لاسيّما وأن المصارف لا تمنح الآن قروضاً للقطاع الخاص. فالتسليفات المصرفية للقطاع الخاص تراجعت بقيمة 300 مليون دولار في العام 2018 بينما زادت بمقدار 2,5 مليار دولار عام 2017 مقابل نموها بمعدل 3,2 مليار دولار في السنوات الخمس السابقة. هذا وتراجعت التسليفات الممنوحة للمقيمين بقيمة 1.3 مليار دولار في العام 2018، في حين ارتفعت التسليفات الممنوحة لغير المقيمين بقيمة 1.0 مليار دولار.
وتجدر الإشارة الى أنه رغم التباطؤ الإضافي للنشاط الاقتصادي المحلّي، فإن نوعية الموجودات المصرفية لا تزال جيدة والديون المشكوك بتحصيلها لا تزال مستوعبة. ومؤخّراً، أعلن حاكم مصرف لبنان عن ارتفاع بسيط في نسبة الديون المشكوك بتحصيلها إلى التسليفات الإجمالية من 3,2% في كانون الأول 2017 الى 3,8% في كانون الأول 2018.
أما السيولة المصرفية، فشهدت عام 2018 المزيد من التعزيز. وبوجه خاص، سجّلت سيولة المصارف اللبنانية لدى المصارف في الخارج تحسّناً واضحاً في نهاية السنة المنصرمة، مستفيدةً جزئياً من قيام مصرف لبنان بتسديده نقداً إصدارات يوروبوند مستحقّة في شهر تشرين الثاني بقيمة 1,5 مليار دولار. وعليه، ارتفعت سيولة المصارف اللبنانية لدى المصارف في الخارج من 9,6 مليار دولار في تشرين الأول الى 11,2 مليار دولار في تشرين الثاني ثم الى 12.0 مليار دولار في كانون الأول 2018، فعوّضت المصارف بالتالي عما فقدته خلال السنة من سيولة بالنقد الأجنبي وتخطّت المستوى المحقّق في كانون الأول 2017 (11,3 مليار دولار). أخيراً، نشير الى أن السيولة لدى المصارف في الخارج والودائع المصرفية لدى مصرف لبنان تشكّل حوالى نصف ودائع الزبائن بالعملات الأجنبية، ما يعبّر عن السيولة الجيّدة للنظام المصرفي اللبناني.
1-4-3- البورصة وسوق السندات: انخفاض الأسعار في العام 2018 في ظل مناخ من عدم اليقين
في العام 2018، شهدت أسواق الرساميل اللبنانية هبوطاً ملحوظاً في الأسعار وازدياداً في تقلبيّتها في ظلّ تأجيل تشكيل الحكومة ومخاوف من اشتداد التجاذبات السياسية المحلية، الأمر الذي يعيق تنفيذ مقرّرات مؤتمر "سيدر" ويؤثّر سلباً على آفاق لبنان الإقتصادية والمالية، بالتزامن مع المنحى التصاعدي لمعدلات الفوائد الأميركية ومع ضعف الأسواق الناشئة جرّاء الخشية من تباطؤ الإقتصاد العالمي.
إن تمادي المأزق السياسي المتعلّق بتشكيل الحكومة وتعاظم المخاوف من مزيد من التأخّر في تنفيذ الإصلاحات المالية المدرجة في مقرّرات مؤتمر "سيدر"، بالتزامن مع ضعف الأسواق الناشئة كما عكسه تراجع مؤشّر "جي. بي. مورغان الإجمالي للأسواق للللأسواقسواق الناشئة" بنسبة 38% عام 2018، كلّها عوامل ألقت بثقلها على سوق سندات اليوروبوند اللبنانية في سياق عمليات بيع من قبل الأجانب وازدياد تقلبية الأسعار. غير أن السوق استعادت أنفاسها بعدما أعلنت قطر عن نيّتها شراء سندات سيادية لبنانية بقيمة 500 مليون دولار وتبعتها المملكة العربية السعودية بالإعلان عن دعمها الكامل للاقتصاد اللبناني وعقب تشكيل الحكومة الجديدة.
سجّلت سوق سندات الدين اللبنانية في العام 2018 هبوط الأسعار على أساس سنوي، فالسندات المستحقّة بين 2019 و2037 انخفضت أسعارها بما بين -0,63 نقطة و- 18,75 نقطة أساس. وترافق ذلك مع ازدياد تقلّبية السوق. ففي الواقع، واستناداً الى معدلات المردود، عرفت سندات اليوروبوند اللبنانية في العام 2018 تقلّبيّة مرتفعة نسبياً بلغت نسبتها 17,8% مقابل 9,1% في العام 2017. ثم أن سندات اليوروبوند السيادية استحقاق نيسان 2021 وكانون الثاني 2023، والتي هي الأكثر تداولاً في سوق سندات اليوروبوند اللبنانية، سجّلت تقلّبية عالية بلغت نسبتُها 21,2% و19,1% على التوالي في العام 2018 مقابل 11,2% و9,1% على التوالي في العام 2017.
في هذا السياق، ارتفع متوسط المردود المثقّل على سندات اليوروبوند اللبنانية بمقدار 341 نقطة أساس في العام 2018 ليصل الى 9,95% في نهاية السنة، أي أقل منه في منتصف أيلول 2018 حيث بلغ مستواه الأعلى (11,23%). في الوقت نفسه، اتّسع متوسط الهوامش المثقّل على سندات اليوروبوند اللبنانية بمقدار 300 نقطة أساس ليبلغ 764 نقطة أساس في ظلّ ارتفاع المردود على سندات الخزينة الأميركية بعد أن قام بنك الإحتياطي الفدرالي برفع معدلات الفوائد المرجعية للمرّة الرابعة في غضون العام 2018. أما هوامش مقايضة المخاطر الائتمانية من فئة خمس سنوات، والتي تشكّل مقياساً لنظرة الأسواق الى مخاطر البلد السيادية، فقد اتّسعت على نحو ملحوظ (+249 نقطة أساس) في العام 2018 لتقفل السنة على 770 نقطة أساس، علماً أنها تخطّت مرات عدّة حدّها الأعلى الذي كانت قد سجّلته في النصف الثاني من السنة والذي بلغ 800 نقطة أساس، بسبب الغموض الذي أحاط بتشكيل الحكومة. وقد جاء ذلك بعد اتّساع أقلّ لم يتعدَّ 43 نقطة أساس في العام 2017.
بالتوازي، فإن بورصة بيروت التي تفتقر إلى السيولة والفعالية، شهدت تراجعاً في الأسعار في العام 2018 رغم نسب التقييم المغرية، وذلك خصوصاً بسبب المخاوف المتزايدة من تمادي المأزق السياسي وما قد يولّده من انعكاسات سلبية على آفاق البلد الإقتصادية. ذاك أن أسعار 18 من أصل 27 سهماً مدرجاً في البورصة انخفضت بنسب تراوح بين 2,2% و31,1% بينما سجّلت أسعار أربعة أسهم ارتفاعاً راوخت نسبته بين 0,8% و20,8%. فيما لم تشهد خمسة أسهم أيّ تغيّر في أسعارها على أساس سنوي. في هذا السياق، هبط مؤشّر أسعار الأسهم المدرجة في بورصة بيروت بنسبة 14,6% في العام 2018 ليقفل السنة على 83,87، مع أن نسبة السعر إلى الأرباح في بورصة الأسهم اللبنانية بلغت 5,2 مرات في العام 2018 مقابل متوسط أعلى بكثير (14,0 مرة) في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وقد ترافق هبوط الأسعار هذا مع ازدياد تقلّبية هذه الأخيرة. فتقلّبيّة أسعار الأسهم، التي تُقاس بالإنحراف المعياري لهذه الأسعار نسبةً الى متوسطها، بلغت 7,1% في العام 2018 مقابل 4,0% في العام 2017.
كذلك، اتّسم أداء بورصة بيروت بتباطؤ الحركة في العام 2018 حيث انخفضت القيمة الإجمالية لعمليات التداول بنسبة 38,1% على أساس سنوي، متراجعةً من 608 مليون دولار في العام 2017 الى 376 مليون دولار في العام 2018. واستأثرت أسهم المصارف بنسبة 63,4% من إجمالي نشاط البورصة في السنة الماضية، تلتها أسهم شركة سوليدير (29,4%)، ثم الأسهم الصناعية والتجارية (7,2%). وفي ظلّ الهبوط الملحوظ للأسعار ونتيجة إدراج أسهم بنك BLC التفضيلية من الفئة E وإدراج مزيد من أسهم بنك بيروت العادية، تراجع حجم الرسملة البورصية بنسبة 13,8% على أساس سنوي ليبلغ 9,117 مليون دولار في كانون الأول 2018. ومن جرّاء ذلك، بلغت نسبة حجم التداول السنوي إلى الرسملة البورصية 4,1% في العام 2018 مقابل 5,8% في العام 2017، وهي لا تزال أدنى بكثير من المتوسطات الإقليمية ومتوسطات الأسواق الناشئة والدولية.
انطلاقاً من هذه الوقائع، وحرصاً على تطوير أسواق الرساميل اللبنانية وعلى إحداث نقلة نوعية كفيلة بتحفيز النمو الإقتصادي واستحداث فرص عمل، أطلقت هيئة الأسواق المالية في كانون الأول 2018 استدراج عروض لإختيار مشغّل لمنصّة التبادلات الإلكترونية التي أنشاتها. والغاية من هذه المنصّة تحسين تمويل أنشطة القطاع الخاص، لاسيّما المؤسّسات الصغيرة والمتوسطة والشركات الناشئة العاملة في اقتصاد المعرفة وتوسيع عمليات التبادل الى خارج الحدود اللبنانية لتطاول الإنتشار اللبناني في مختلف بلدان الإغتراب حول العالم.
الخلاصة: لمحة مختصرة عن أداء العام 2018 وعن آفاق العام 2019
باختصار، كان العام 2018 صعباً على الاقتصاد اللبناني، من قطاعات النشاط إلى الأسواق المالية بشكل عام، في ظل تلبّد المناخ السياسي الداخلي لاسيما خلال النصف الثاني من العام. فقد شهد العام المنصرم نمواً متدنياً في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بحيث يقدّره صندوق النقد الدولي بنسبة 1٪، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الاقتصاد اللبناني يتطلّب نمواً حقيقياً بنسبة لا تقل عن 6٪ لضمان خلق فرص عمل جديدة لاستيعاب أكثر من 30,000 لبناني ينضمون كل سنة إلى القوى العاملة في لبنان. من هنا، فإن المؤشر الاقتصادي العام الصادر عن مصرف لبنان، والذي يعكس أداء القطاع الحقيقي، قد نما خلال الأشهر الأحد عشر الأولى من العام بثلث النمو المحقّق خلال الفترة المماثلة من السنوات الخمس الماضية. هذا ويشير تطوّر مؤشرات القطاع الحقيقي إلى أن جميع القطاعات الاقتصادية تقريباً قد شهدت وهناً إضافياً خلال العام الماضي. أما بالنسبة للقطاع المالي، فقد سجلت تدفقات الأموال الوافدة تراجعاً صافياً خلال العام الماضي، مما أثّر سلباً على نمو الودائع المصرفية الذي، وإن لا يزال إيجابياً، سجل أداءً متواضعاً نسبياً في الإجمال.
إن تزايد التلبّد السائد في الأجواء السياسية خلال العام الماضي، لاسيما التأخير في تشكيل حكومة جديدة، قد أرخى بثقله على الأوضاع الاقتصادية من خلال عدد من القنوات: (1) تداعيات سلبية على الاستثمار الخاص والمدفوع بتأجيل قرارات المستثمرين وسط تلبّد المناخ الاستثماري؛ (2) تداعيات سلبية على الاستثمار العام في البنى التحتية من خلال عدم تجسيد مقرّرات مؤتمر "سيدر" والمخاطر المترتبة على احتمال خسارة لبنان المنح والقروض المقرّرة؛ (3) تداعيات سلبية على الإصلاحات الهيكلية المنتظرة للحدّ من تنامي نسب الدين والعجز المالي العام المرتفعة في لبنان؛ (4) تداعيات سلبية على تدفقات الأموال الوافدة المطلوبة لتمويل العجوزات الخارجية للبلاد. عليه، وفي حين أن لهذه العوامل المذكورة أبعاد وازنة، إلا أن الاقتصاد الحقيقي الذي تباطأ أكثر خلال الأشهر القليلة الماضية، لم يقع في فخ الركود وهو ما يعكسه معدّل النمو الإيجابي على الرغم من انخفاضه. ويعزى ذلك في الواقع إلى شبه المناعة التي يتسم بها الاستهلاك الخاص، وإلى الدعم المستمر من قبل الجاليات اللبنانية المنتشرة في بلدان الاغتراب، ناهيك عن استقرار الأوضاع الأمنية المحلية وسط منطقة تشوبها أوضاع أمنية غير مستقرة.
إن توقعاتنا الماكرو اقتصادية للعام 2019 تتمحور حول نمو في الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 2.5٪ (أو 6% بالقيم الإسمية) عقب تشكيل حكومة جديدة وبالترافق مع تقدّم بطيء على صعيد تطبيق مقرّرات مؤتمر سيدر. فالنمو الاقتصادي الإسمي سيكون مدفوعاً: (1) بنمو بنسبة 6.5% في حركة الاستهلاك الخاص، (2) في حين من المرجح أن يراوح الاستهلاك الخاص على مستويات العام 2018 في ظل تلبّد المناخ السياسي والاقتصادي مما يرخي بثقله على المبادرات الاستثمارية، (3) مع نمو بنسبة 24% في الاستثمار العام، انطلاقاً من قاعدة ضعيفة، في سياق إطلاق البرنامج الاستثماري الجديد، (4) وإلى جانب نمو في الصادرات بنسبة 14% في ظل إعادة فتح معابر التصدير البرّي عبر سوريا (لاسيما معبر نصيب الحدودي). بموازاة ذلك، من المتوقع أن تنمو الكتلة النقدية بنسبة 4٪ مدفوعةً بنمو في التدفقات المالية الوافدة بنسبة 8%، مما قد يؤدي إلى تقليص العجز في ميزان المدفوعات.
في حين أننا لا نرى زعزعة للاستقرار النقدي في لبنان في المدى القريب في ضوء المكانة النسبية التي تتمتّع بها عناصر الحماية المالية والنقدية لاسيما في ظل الاحتياطيات الأجنبية المرتفعة (بنسبة 80% من الكتلة النقدية بالليرة) والسيولة المصرفية المتوافرة (بنسبة 50% من الودائع بالعملات الأجنبية)، إلا أن التحدي الأكبر يكمن في الحدّ من الاختلالات القائمة في أوضاع المالية العامة والتي تمثل عنصر الهشاشة الأبرز في الاقتصاد اللبناني. فمع نسبة دين عام تقارب 150% من الناتج المحلي الإجمالي (ثالث أعلى نسبة حول العالم) ونسبة عجز مالي عام تبلغ 10% من الناتج المحلي الإجمالي (في العشر الأول عالمياً)، فإن إطلاق عجلة الإصلاحات الهيكلية يعتبر حاجة ضرورية اليوم لتأمين الهبوط الآمن على صعيد المالية العامة. وهذه الإصلاحات ينبغي أن تكون مبنيّة على التقشف في الإنفاق العام وتعزيز الإيرادات العامة، لاسيما عن طريق تعزيز الجباية ومكافحة التهرب الضريبي، إضافةً إلى إصلاح قطاع الكهرباء، بالترافق مع تدابير محفّزة للنمو الاقتصادي تهدف إلى تحسين مناخ الأعمال في لبنان.
في الختام، في حين أن المخارج لا تزال متوفرة وهي تتطلب خيارات اقتصادية صارمة من قبل واضعي السياسات، إلا أن ليس بمقدور لبنان تأخير الإصلاحات التي طال انتظارها. عليه، فإن إحراز تقدم ملموس على هذه المستويات كما أن تنفيذ تعهدات مؤتمر "سيدر" بشأن تمويل الانفاق للبنى التحتية من شأنه أن يمهّد لنقل لبنان من حقبة المخاوف الماكرو اقتصادية إلى حقبة الاحتواء التدريجي للمخاطر والتهديدات كشرط أساسي لتحقيق النهوض الاقتصادي المنشود وتقليص الفجوة بين الناتج المحلي الإجمالي الحالي والناتج الممكن تحقيقه".






