كتب العميد الركن المتقاعد د جوزف س. عبيد:
في لبنان، اعتدنا أن نراهن على تبدّل الأشخاص، وأن نعلّق آمالًا كبيرة على تغيير الوجوه في مواقع القرار، وكأن وصول شخص إلى السلطة يعني بالضرورة تبدّل السياسات، وتحوّل الخصومات إلى صداقات، والتهديدات إلى ضمانات أمنية.
واليوم، مع الحديث عن احتمال وصول غادي أيزنكوت إلى رئاسة الحكومة الإسرائيلية بدل بنيامين نتنياهو، يبرز السؤال: هل نحن أمام تغيير حقيقي في النظرة الإسرائيلية إلى إيران وحزب الله، أم أمام اختلاف في الأسلوب داخل العقيدة الأمنية نفسها؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لا تحتاج إلى عواطف، ولا إلى تمنّيات، بل إلى قراءة موضوعية لخلفية الرجلين ومواقفهما.
نتنياهو وأيزنكوت: اختلاف في الأسلوب لا يعني اختلافًا في الأهداف.
بنيامين نتنياهو جعل من مواجهة إيران محورًا أساسيًا في خطابه السياسي والأمني، واعتبر برنامجها النووي ونفوذها الإقليمي وقدرات حلفائها تهديدًا مباشرًا لإسرائيل. ولم يُخفِ استعداده لاستخدام القوة العسكرية، كما ربط إضعاف النظام الإيراني بتغيير ميزان القوى في المنطقة.
أما غادي أيزنكوت، الجنرال السابق ورئيس الأركان الإسرائيلي الأسبق، فلا ينتمي إلى مدرسة تتعامل مع إيران وحزب الله باعتبارهما خصمين يمكن تجاهل قدراتهما أو القبول بتعاظمها. فهو أيضًا ينظر إلى إيران باعتبارها تهديدًا استراتيجيًا، وإلى حزب الله باعتباره قوة عسكرية يجب الحد من قدراتها ومنعها من تهديد إسرائيل.
قد يختلف الرجلان في تقدير جدوى الحرب الشاملة، وفي توقيت الضربات العسكرية، وفي حجم المخاطر المقبولة، وفي العلاقة مع الولايات المتحدة، وفي ما إذا كان تغيير النظام الإيراني هدفًا قابلًا للتحقيق. لكن هذه الاختلافات لا تعني أن أيزنكوت سيصل إلى الحكم ليقدّم لإيران أو لحزب الله مقاربة قائمة على التساهل أو التسليم بالأمر الواقع.
وهنا بيت القصيد.
ليس كل اختلاف في إدارة الصراع اختلافًا في العقيدة.
قد يرى نتنياهو أن الضغط العسكري المباشر هو الوسيلة الأكثر فاعلية، بينما يفضّل أيزنكوت الجمع بين القوة والضغط الاقتصادي والدبلوماسية والتحالفات الإقليمية. وقد يختلفان على حدود التصعيد أو على كلفته، لكن ذلك لا يكفي للقول إن أحدهما سيقبل بما يرفضه الآخر في جوهر المصالح الأمنية الإسرائيلية.
ولننظر إلى حزب الله تحديدًا. إن خلفية أيزنكوت العسكرية لا تسمح بالتعامل معه بوصفه طرفًا يمكن تجاهل ترسانته أو ترك قدراته تتنامى من دون اعتراض. بل إن مواقفه المعلنة تشير إلى تشدد في التعامل مع تهديداته، وإلى تمسّك بحرية الجيش الإسرائيلي في التحرك عندما ترى القيادة الإسرائيلية أن أمنها مهدّد.
فأين، إذًا، هو التحوّل الاستراتيجي الذي يراهن عليه البعض؟
قد يتغيّر رئيس الحكومة، وقد تتغيّر اللغة السياسية، وقد تختلف طريقة اتخاذ القرار، لكن هل يعني ذلك أن إسرائيل ستتخلى عن هدف منع إيران من امتلاك قدرات نووية عسكرية، أو ستقبل بتعاظم قدرات حزب الله، أو ستتراجع عن سعيها إلى تغيير ميزان القوى على حدودها؟
لا توجد، في المواقف المعروفة للرجلين، مؤشرات كافية تبرّر بناء هذه الرهانات.
إلى المراهنين في لبنان، وإلى المصفّقين لكل تغيير في إسرائيل وكأنه انتصار مسبق لمحور على آخر، نقول: تمهّلوا!
لا تجعلوا أمن لبنان ومستقبله رهينة أسماء تتبدّل في تل أبيب. ولا تبيعوا اللبنانيين أوهامًا سياسية كلما ظهر مرشح جديد، أو تبدّلت نتائج استطلاع، أو تراجعت شعبية حكومة وارتفعت شعبية أخرى.
إن وصول أيزنكوت، إذا حصل، لا يعني تلقائيًا أن إيران ستتنفس الصعداء، أو أن حزب الله سيواجه خصمًا مختلفًا في جوهر أهدافه، أو أن لبنان سيحصل على ضمانات لمجرد أن نتنياهو غادر المشهد.
وفي المقابل، لا يعني بقاء نتنياهو أن كل تصعيد حتمي، أو أن الحرب هي الخيار الوحيد. فالقرارات السياسية تتأثر بالمصالح والضغوط والتحالفات والكلفة العسكرية والاقتصادية، وليس بالعقيدة وحدها.
لكن ما ينبغي ألّا نغفله هو أن إسرائيل، مهما اختلفت حكوماتها، تتعامل مع أمنها القومي باعتباره مصلحة عليا، وتعمل على حماية تفوقها العسكري، والحد من التهديدات التي تواجهها، وتوسيع هامش حركتها الإقليمية. وهذه ثوابت لا يُفترض أن تتبدّل لمجرد تبدّل رئيس الحكومة.
أما نحن في لبنان، فمشكلتنا أننا كثيرًا ما نقرأ السياسة الإسرائيلية من زاوية انقساماتنا الداخلية، فنحوّل خلافاتهم إلى انتصارات لنا، ونفسّر تغيّر الأشخاص على أنه تغيّر في الاستراتيجيات، ثم نكتشف، بعد فوات الأوان، أن حسابات الآخرين كانت مختلفة عن حساباتنا.
الخلاصة: لا تراهنوا على اسم، بل اقرأوا المشروع. ولا تصفّقوا لتغيير الوجوه قبل أن تتأكدوا من تغيير السياسات.
بين نتنياهو وأيزنكوت، قد تختلف الوسائل، وقد تتباين الأولويات، وقد تتغيّر طريقة إدارة المواجهة مع إيران وحزب الله. لكن لا شيء في مواقفهما المعروفة يبرّر افتراض أن وصول أحدهما سيؤدي، بحد ذاته، إلى انقلاب في النظرة الأمنية الإسرائيلية.
ومن هنا، فإن الرهان اللبناني الحقيقي يجب ألّا يكون على مَن سيحكم إسرائيل، بل على قدرة لبنان على حماية مصالحه، وتجنّب الحروب، وتعزيز دولته، وتحصين قراره الوطني، ومنع تحويل أرضه وشعبه إلى ساحة مفتوحة لحسابات الآخرين.
فالدول لا تبني استراتيجياتها على أمنيات خصومها، ولا تغيّر عقائدها لأن خصومها تمنّوا ذلك.
والسياسة، يا سادة، ليست سباقًا في التصفيق للأسماء؛ إنها قراءة للمصالح، وفهم للعقائد، وحساب دقيق لما يمكن أن يحدث، لا لما نتمنى أن يحدث.






