11:10 AMClock
مقالات
  • Plus
  • Minus

بين نتائج التفاوض وكلفة الحروب...

كتب العميد الركن م/ د جوزف س.عبيد:

منذ عودة رئيس الجمهورية من زيارته إلى الولايات المتحدة، ومنذ انطلاق المسار التفاوضي، تتكرر الأسئلة: ماذا أنتجت الزيارة؟ ماذا حققت المفاوضات؟ وهل عاد لبنان بمكاسب ملموسة؟

لا شك أن هذا سؤال مشروع، بل هو واجب على كل مواطن في دولة ديمقراطية، لأن من حق الشعب أن يحاسب المسؤولين على نتائج خياراتهم السياسية والدبلوماسية.

لكن، ومن باب العدالة، لا يجوز أن يكون هذا السؤال انتقائيًا. فإذا كنا نحاسب الدبلوماسية على نتائجها، فمن حق اللبنانيين أيضًا أن يسألوا السؤال نفسه عن الحروب: ماذا أنتجت حروبكم؟

في الدراسات الاستراتيجية، لا تُقاس السياسات بالشعارات ولا بالنوايا، بل بموازنة دقيقة بين الكلفة والنتائج. فإذا كانت المفاوضات قد تنجح أو تتعثر، فإن كلفتها تبقى محدودة مقارنةً بالحرب، أما الحرب فتُقاس بعدد الضحايا، وحجم الدمار، والخسائر الاقتصادية، ومستقبل الدولة.

ومنذ بدء ما سُمّي بـ"حرب الإسناد" في الثامن من تشرين الأول 2023 وحتى اليوم، دفع لبنان ثمنًا باهظًا. فوفق التقديرات المتداولة، قاربت الحصيلة عشرة آلاف شهيد، ونحو ثلاثين ألف جريح، وأكثر من مليون ومئتي ألف نازح في مراحل مختلفة من الحرب، إضافة إلى تدمير أو تضرر عشرات آلاف المنازل، وإصابة المدارس والمستشفيات والطرقات وشبكات الكهرباء والمياه بأضرار جسيمة، فضلاً عن خسائر اقتصادية تُقدَّر بعشرات مليارات الدولارات، فيما ستحتاج عملية إعادة الإعمار إلى سنوات طويلة وإمكانات مالية هائلة.

ولا تقتصر الخسائر على الأرقام. فالحرب أدت إلى إقفال مؤسسات، وتراجع الإنتاج الزراعي والصناعي والسياحي، وانكماش الاستثمار، وهجرة إضافية للشباب والكفاءات، وزيادة معدلات الفقر والبطالة، وتعميق أزمة الدولة المالية، وكل ذلك انعكس مباشرة على حياة اللبنانيين ومستقبل أبنائهم.

في المقابل، فإن أي زيارة رسمية أو مسار تفاوضي، حتى لو لم يحقق جميع أهدافه، يبقى وسيلة سياسية يمكن تقييمها وتطويرها أو حتى استبدالها، من دون أن يدفع الشعب ثمنها بالدم والدمار. أما الحرب، فعندما تنتهي، تكون فاتورتها قد كُتبت بأرواح الناس، ولا يمكن لأي خطاب سياسي أن يمحو آثارها.

لذلك، فإن السؤال لا يجب أن يكون: ماذا أنتجت الزيارة؟ أو ماذا أنتجت المفاوضات؟ فحسب، بل يجب أن يكون أيضًا: ماذا أنتجت الحرب؟ وهل كانت حصيلتها، بكل ما حملته من شهداء وجرحى ودمار ونزوح وخسائر اقتصادية، أفضل للبنان من أي خيار آخر؟

إن الدولة لا تُبنى بالحروب المفتوحة، بل بالمؤسسات، والاقتصاد، والاستقرار، والعلاقات الدولية، وباحتكارها وحدها قرار السلم والحرب. والدبلوماسية ليست دليل ضعف، كما أن الحرب ليست دليل قوة. فالقوة الحقيقية هي في حماية الإنسان، وصون السيادة، وبناء دولة قادرة على تأمين الأمن والازدهار لمواطنيها.

إن من حق اللبنانيين أن يسألوا رئيس الجمهورية والحكومة عن نتائج كل زيارة وكل مفاوضات، لكن من حقهم أيضًا، وبالمعيار نفسه، أن يسألوا كل من اتخذ قرار الحرب أو دفع إليها: ما الذي ربحه لبنان؟ وما الذي خسره؟

فإذا كان ميزان الوطنية هو مصلحة لبنان، فإن الأرقام وحدها تكفي للإجابة. وعندما يكون ثمن أي خيار آلاف الشهداء، وعشرات آلاف الجرحى، ومليونًا ومئتي ألف نازح، وعشرات مليارات الدولارات من الخسائر، فإن السؤال لا يعود: ماذا أنتجت المفاوضات؟ بل يصبح: هل كان بالإمكان تجنيب لبنان كل هذه المأساة، لو انتصر منطق الدولة والدبلوماسية قبل منطق الحرب؟

إخترنا لك

Flat Ara
Beirut, Lebanon
oC
23 o