جوانا فرحات
المركزية – وبعد 41 عاما أمضاها في أحد السجون الفرنسية جورج عبدالله إلى الحرية... آمن بحريته وكان متأكداً أنه سيخرج ذات صباح، لكن الموعد تأخر 26 عاماً إذ كان من الممكن إطلاق سراح جورج عبد الله الذي اعتقل عام 1984 منذ العام 1999، بموجب القانون الفرنسي، لكن طلبات الإفراج المشروط التي تقدم بها رُفضت، باستثناء طلب واحد حين وافق القضاء الفرنسي عام 2013 على طلب إفراج بشرط أن يرافق بقرار طرد، الأمر الذي لم يصدره وزير الداخلية الفرنسي يومها مانويل فالس.
قصة أقدم سجين سياسي في فرنسا قد تتحول إلى مادة تدرس في السجون والمعاهد لكنّ للقصة جذوراً تبدأ من اللحظة التي أصدر فيها القضاء الفرنسي قراراً غير مشروط بالإفراج عن القائد السابق لتنظيم الفصائل المسلحة الثورية في لبنان جورج ابراهيم عبدالله الصادر بحقه حكما عام 1987 بالسجن مدى الحياة بعد إدانته بالتواطؤ في اغتيال الدبلوماسيين الأميركي تشارلز راي والإسرائيلي ياكوف بارسيمانتوف في باريس عام 1982، ومحاولة اغتيال القنصل العام الأميركي روبرت أوم في ستراسبورغ عام 1984.
قرار محكمة الإستئناف صدر في جلسة غير علنية في قصر العدل في باريس، في غياب عبد الله البالغ 74 عاماً، والمسجون في لانميزان في مقاطعة أوت-بيرينه. وبعد صدور 12 طلبا لإطلاق سراحه رُفضت كلها، جاء رقم الحظ 13 ليكسر القواعد والأعراف ويسجل تاريخ 25 تموز 2025 لخروج عبدالله بعد 41 عاما أمضاها في السجون الفرنسية.
في انتظار يوم الحرية، يمضي جورج الأيام الباقية في السجن لأن قرار المحكمة يقضي بأن يخرج من السجن فورا إلى بلده لبنان وتحديدا مسقط رأسه القبيات.
أمرٌ لم يكن متوقعا حتى لأفراد عائلته نظراً إلى العراقيل التي كانت توضع في كل مرة يصدر فيها قرار إطلاق سراحه علماً أن جورج عبدالله لم يُقرّ بتورطه في عمليتي الاغتيال اللتين صنفهما في خانة أعمال "المقاومة" ضد "القمع الإسرائيلي والأميركي" في سياق الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990) والغزو الإسرائيلي لجنوب لبنان عام 1978.
عضو الحملة الوطنية لتحرير الأسير جورج عبدالله المحامية فداء عبد الفتاح تروي لـ"المركزية" مسيرة النضال مع مجموعة من الزميلات والزملاء في الحملة على مدى أعوام بدءا بالاعتصامات والتحركات والوقفات أمام السفارات من دون تعب ولا يأس وبدعم معنوي مباشر من عبدالله . وتقول" قرار الإفراج ليس الأول وعسى ألا تظهر عراقيل جديدة، فقد سبقه 12 قرار طلب إخلاء لكن في كل مرة كانت تبرز عراقيل من حيث لا ندري، إذ كان يحق للمعتقل جورج عبدالله طلب إفراج مشروط منذ العام 1999. وفعلا، تقدم بهذا الطلب ووافق عليه القاضي المعني في مدينة "بو" عام 2003، لكن ما لبثت أن تنبهت السلطات الفرنسية، فاستأنفت القرار بشخص وزير الداخلية حينها دومينيك بيربان، ونقلت ملفه إلى محكمة مختصة بشؤون الإرهاب في العاصمة باريس وطبقت عليه "قانون داتي" بمفعول رجعي. وفي العام 2013 صدر قرار بالإفراج عن عبدالله ولم ينفذ بسبب رفض وزير الداخلية الفرنسي طلب ترحيل عبدالله".
ما يميز القرار الأخير الصادر عام 2024 أنه لم يربط عملية الترحيل بوزير الداخلية إنما بالقضاء، بحيث يتم ترحيل عبدالله من السجن إلى وطنه مباشرة. لكن البدعة الجديدة التي ظهرت هي إلزام عبدالله التعويض على أهالي الضحايا ولا نعرف أصلا عددهم ولا يوجد إثبات أنه ارتكب الجرم الذي حُكم على أساسه بالسجن المؤبد وهو لم يعترف به يوما ". وتذكّر عبد الفتاح باعتراف رئيس جهاز الإستخبارات الفرنسي إيف بونيه المسؤول عن اعتقال عبدالله عام 1984 بعد بلوغه سن التقاعد عام 2013 حيث قال بالصوت والصورة في أحد الفيديوهات إنهم "اعتقلوه لشيء لم يفعله".
آخر المحطات مع الحرية الموعودة لجورج عبدالله كانت في 19 حزيران الماضي حيث كان يفترض عقد جلسة للإفراج عنه لكنها تأجلت حتى اليوم وصدر القرار بإطلاق سراحه في 25 تموز الجاري. وترجّح عبد الفتاح أن تكون التطورات والتحولات الحاصلة في المنطقة وراء اتخاذ القضاء الفرنسي قرار إطلاق سراح عبدالله وتحريره من البدع والعراقيل التي كانت تظهر من العدم في كل مرة، ولأن القضاء الفرنسي نفسه بات على قناعة تامة بأن عبدالله الذي يبلغ 75 عاما لم يعد يشكل خطرا، ولا يمكن بالتالي بقاؤه في السجن .
أيضا من الأسباب المرجحة بحسب عبد الفتاح أن ملف سجين "متهم زورا" بات يشكل عبئاً على الجسم القضائي الفرنسي حيث القوانين والاجتهادات التي تدرّس في المعاهد وجامعات الحقوق في العالم".
مع استنزاف كل العراقيل من جانب القضاء والدولة الفرنسية يبقى أن تتلقف الدولة اللبنانية مسؤولياتها المطلوبة منها وهي " إصدار جواز سفر لجورج حتى يتمكن من العودة إلى لبنان فور إطلاق سراحه في 25 الجاري وأن تتحمل تكاليف انتقاله من فرنسا إلى لبنان".
حتى الآن لا معلومات متوافرة أو "مُعلن" عنها لمكان إقامة عبدالله بعد عودته إلى وطنه"لكنه حتما سيعود إلى منزله العائلي وسيزور أولا مدفن والديه اللذين فارقا الحياة ليعود إلى حضن أشقائه وشقيقاته".
لحظة تلقي جورج عبدالله خبر خروجه إلى الحرية في 25 الجاري في سجنه، كانت عبد الفتاح في أحد المقرات الرسمية في لبنان مما حال دون تمكنها من تلقي اتصال هاتفي منه مباشرة وسماع ردة فعله. وتشير إلى أن وضعه الصحي جيد وكان يحرص على الاتصال بأعضاء الحملة وعائلته بشكل دوري ويطمئن عليهم خصوصا في مراحل الحروب ووصيته لهم قبل أن يقفل الخط"ديروا بالكن ع حالكن".






