طوني جبران
المركزية – يستحق الخطاب الذي أطلقه الرئيس سعد الحريري في الذكرى الواحدة والعشرين لاستشهاد والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري قراءة متأنية ودقيقة، قياساً على حجم الرسائل التي وجهها الى أكثر من طرف في الداخل الحزبي واللبناني كما في اتجاه الخارج ولا سيما في اتجاه الدول المعنية بالملفات الحساسة التي يحاول المجتمع الدولي والخليجي تقديم العون والمساعدة للبنانيين لمعالجتها.
وبعد التمعن في مجموعة الرسائل التي وجهها الحريري، اكتفى المراقبون من كل الاتجاهات في حديثهم الى "المركزية" بالإشارة الى التقليدية منها على كل المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية، قبل ان يطلق قنبلته الانتخابية التي كانت موضوع نقاش وتخمين وتقدير في الأيام التي سبقت وصوله الى بيروت، وكأنها كانت لبّ الخطاب وعنوانه الرئيس بعدما توسعت دائرة الشكوك بإمكان اجرائها في مواعيدها المحددة، وبالنية والقدرة التي لدى تياره على المشاركة فيها بأي شكل من الأشكال يمكن ان تتخذه.
وفيما لم يرى هؤلاء المراقبون جديدا في إعادة التذكير بمواقف التيار الداخلية التي طالت الخارجين من صفوفه والذين "حاولوا استدراج المحازبين الى ملاعبهم المناطقية والعائلية"، فقد ظهر واضحاً، انه أجرى تصنيفاً جديدا لهم، فصل فيه بين من لم يتفهموا الملاحظات القاسية التي وجهها في خطاب الذكرى عينها العام الماضي، والذين عبروا عن فهمهم لها وانضباطهم وتضامنهم، كما بالنسبة الى "ضرورة تطبيق اتفاق الطائف" الذي قال بأنه "لا سلاح الا بيد الدولة واللامركزية الإدارية وإلغاء الطائفية وإنشاء مجلس الشيوخ"، وصولا الى "تطبيق اتفاق الهدنة "، وأنه "من حق اللبنانيين أن يكون هناك جيش واحد وسلاح واحد" و "أن البلد والاقتصاد والعيش المشترك بحاجة لنهج رفيق الحريري". ولفتوا الى ما ما جاء به الخطاب من مواقف تعني الدعوة الى الانتخابات النيابية بطريقة تحمل الكثير من التأويل والتفسير. وان جرى البحث بين السطور ، يفهم ان أكثرها أهمية هي تلك التي شككت بالتحضيرات الجارية على كل المستويات بقوله " قولوا لي متى الانتخابات، لأقول لكم ماذا سيفعل المستقبل!".
على هذه الخلفيات، توغل المراقبون في قراءة الظروف التي تبرر هذا السؤال وتعطيه المدى الحقيقي الذي يمكن ان يعرّي الكثير من المواقف الملتبسة ويفضح الاجراءات غير الكافية لإجرائها بما تحمله من ألغام وفخاخ تشريعية وإدارية وقانونية ودستورية قد تسمح بالطعن في كل ما جرى الإعلان عنه حتى اليوم. فلا المجلس النيابي قام بما عليه من تعديلات مطلوبة على قانون العام 2017 الذي يعتبر قائما ، ولا سيما لجهة تحديد مصير الدائرة السادسة عشرة المعنية بشؤون المغتربين، في ظل الغموض الذي ما زال يلف آلية بعدما اجرت وزارتي الداخلية والخارجية عملية تسجيلهم في بلاد الانتشار من دون القدرة على تحديد الخطوات الواجب اتخاذها من قبل الراغبين بالترشح الى الدائرة السادسة عشرة، في انتظار ان يحدد لهم المعنيون الأسس التي يمكن ان تتحكم بعملية الانتخاب. وهل ستجري على شكل "مرشحين منفردين" يمثلون القارات وكل منها على حدى، أم انه يمكن تشكيل "لوائح سداسية" مع صوت تفضيلي أو بدونه لتخوض الانتخابات فيها جميعها. وإن اريد لها ان تعتمد النسبية كيف يمكن تطبيقها، واحتساب الأصوات للإعلان عن الفائز فيها.
وفي الوقت الذي قادت فيه عبارات الحريري المختصرة الى إعادة التشكيك بالمواعيد المعلنة، جاء الجواب بعد ساعات قليلة على إطلاقها من "هيئة الاستشارات" في وزارة العدل في ردها على سؤال وزير الداخلية العميد أحمد الحجار حول كيفية انتخاب المغتربين في ظل استحالة تطبيق دائرة المغتربين، بما حملته من "التحفّظ على مسألة إلغاء الدائرة 16 من دون تشريع نيابي أو من دون تطبيقها عبر مراسيم تطبيقية".
وفيما شكل ضربة قاسية لـ "الثنائي الشيعي" وكل من وافقهم الرأي بإلغاء حق المغتربين بالانتخاب على أساس دوائر النفوس التي ينتمون اليها للنواب الـ 128 في الدوائر الخمسة عشرة قالت الهيئة في جوابها للحجار على التأكيد "بإعطاء الحق للمنتشرين بالاقتراع من الخارج في الدوائر الـ 15، كما حصل في الدورة السابقة".
وقياسا على كل ما تقدم، التقى أكثر من مرجع سياسي ونيابي على القول ان الحريري فضح الجميع، وكان موفقا بما يمتلكه من معلومات قبل احياء الذكرى وعودته الى بيروت، ووفق في توجيه ضربة "قاسية" إن لم تكن قاضية" الى كل الإجراءات المعتمدة حتى اليوم لإجراء الانتخابات في مواعيدها المقررة في الأول والثالث من أيار المقبل في بلاد الاغتراب وفي العاشر منه في كل لبنان ووضعها في مهب الريح في انتظار ما سيكون عليه الوضع ان بقي رئيس المجلس النيابي نبيه بري في موقع المتفرج على كل ما يجري من دون ان يتخذ أي خطوة تحاكي ما حملته سلة الاقتراحات ومشاريع القوانين المرفوعة على الهيئة العامة ليبنى على كل خطوة، ما يترتب عليها من خطوات الزامية لا بد منها إن اراد أهل الحكم اجراء الانتخابات في مواعيدها.
وختاما لا بد من اعطاء الاهمية لتوقيت الاتصال الهاتفي الذي أجراه بري بالحريري، بعد وقت قصير من عودته الى بيت الوسط والكشف عن مضمونه وعما ان كان بري أول من استشعر الرسالة وفهمها، وقد رغب بالتعبير عن ردة فعله تجاه موقف الحريري وما أراد ان يدل اليه قبل الكشف عن موقف تياره وما هو مطلوب منه في المرحلة المقبلة.






