طوني جبران
المركزية – لطالما قيل وتردد في الأسابيع الأخيرة الماضية ان الوضع في لبنان سيبقى مجمدا في انتظار عبور الاستحقاقين الانتخابيين في كل من إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية لمعرفة "خريطة الطريق" التي سيسلكها لمجرد أنه بات معَلقا بين فالقي التجربتين. والى مرحلة محكومة بما يمكن ان تقود اليه مجموعة المبادرات التي أطلقت لتجنب أي خطوة تقود الى تجديد الحرب على إيران وفي لبنان وفق السيناريوهات التي تعددت مواعيدها واشكالها، وقد انهارت واحدة بعد أخرى في موازاة أكثر من مبادرة إقليمية ودولية قبل ان تستقر مؤخرا على المبادرة القطرية.
على هذه الخلفيات، تلاقت مراجع ديبلوماسية وعسكرية في حديثها الى "المركزية" على التريث في الحديث عن الصورة المستقبلية للوضع في لبنان ولا سيما لجهة البحث في مستقبل "اتفاق الإطار" قبل التثبت من المتغيرات المحتملة من تداعيات انتخابات الكنيست الإسرائيلي وولادة الحكومة الجديدة من جهة، ونظيرتها النصفية في الكونغرس الأميركي بمجلسيه للنواب والشيوخ من جهة أخرى. على وقع القناعة المسبقة بطبيعة الاختلاف بين الاستحقاقين وما يمكن ان يحدثه أي منهما، نتيجة الاختلاف في استراتيجية البلدين تجاه الوضع في لبنان وإيران وحجم الفوارق بينهما.
اما وقد أظهرت التطورات الأخيرة، بأن السباق الزمني بين مساري التغيير الانتخابي الإسرائيلي والأميركي قد حسم أمس لمصلحة الأول من خلال خطوة الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ التي استبق بها أمس موعدا كان مقررا اليوم، بتكليف زعيم المعارضة رئيس حزب «يشار" المعارض غادي آيزنكوت لتشكيل الحكومة الجديدة في نهاية "الاستشارات النيابية الملزمة" التي أجراها مع الكتل النيابية التي تكون منها الكنيست الجديد بنيله تأييد 67 صوتا من أصل 120، جمعوا بين نواب أحزاب المعارضة الذين خاضوا الاستحقاق الانتخابي معا، ومعهم نواب كتلتي النواب العرب الـ 19 من القائمتين "المشتركة" و"الموحدة"، في مقابل 46 صوتا أوصوا بتكليف بنيامين نتنياهو بعد خروج نواب كتلة حزب «يهدوت هتوراه» السبعة الذين يمثلون اليهود الأرثوذكس المتشددين "الحريديم" من الحلف الانتخابي معه ورفضهم تسميته.
وانطلاقا من هذا التطور على المسار الإسرائيلي، توقفت المراجع الديبلوماسية والسياسية في قراءتها له عند بعض الملاحظات التي توحي باحتمال ان ينجح أيزنكوت في تشكيل الحكومة الجديدة في أسرع وقت ممكن لعدة أسباب. واهمها الإسراع بإخراج نتنياهو من مقر رئاسة الحكومة التي شكلت نقطة تلاق بين تجمع كتل نواب المعارضة اليهودية والنواب العرب، وتقديمه أمام المحكمة التي تنتظر خروجه من الدائرة الحكومية التي تحصن فيها لسنوات عدة. وهو أمر مهدت له التحركات الشعبية غير المسبوقة التي انطلقت أمس في شوارع تل أبيب تأييدا للرئيس المكلف بتشكيل الحكومة الجديدة فور الإعلان عن تسميته مطالبين بالإسراع في ولادتها، والتعاون مع نواب الكتل النيابية العربية إن كان ذلك يضمن تشكيل حكومة قوية تمسك بالوضع.
والى هذه المعطيات التي توحي بالثقة بإمكان ولادة السلطة الإسرائيلية الجديدة، إن اكتمل السيناريو المحكي عنه قبل نهاية المهلة الدستورية المحددة بـ 28 يوما يبدأ احتسابها من تاريخ تسليم هرتسوغ كتاب التكليف الرسمي عصر اليوم الى ايزنكوت، تستطرد المراجع عينها لتقول ان وصول الرئيس الجديد الى رئاسة الحكومة قد يعيد إحياء المفاوضات التي تجمدت عند "طاولة روما" الأخيرة في 5 و6 تموز الماضي على المستوى السياسي والديبلوماسي والعسكري، ولم يسجل لقاء السفيرين اللبناني والاسرائيلي في مقر وزارة الخارجية الأميركية في 16 أيلول الماضي أي تقدم يذكر على مستوى اكتمال تنفيذ الخطوات التي قال بها "اتفاق الإطار" منذ توقيعه في 26 حزيران الماضي ومثله بالنسبة الى "لقاء تامبا العسكري الثلاثي" الذي انعقد ما بين 20 و22 تشرين الأول الماضي.
على هذه الخلفيات، تضيف المراجع عينها لتقول ان هناك رهانا محدودا على امكان ان يفتح ايزنكوت ثغرة عاجلة في جدار المفاوضات المجمد منذ فترة طويلة بعدما أدت مواقف سلفه نتنياهو الى "نقزة" دولية كبرى قادت اليها الأحكام التي صدرت بحقه عن محكمة العدل الدولية والمناقشات في المحكمة الجنائية متهمة إياه بتنفيذ جرائم ضد الإنسانية في غزة وخلافاته المستجدة مع عدد من رؤساء وحكومات الدول الأوروبية. وقد تعذر على الرئيس ترامب ان يعفيه من المحاكمة بعد ان طلب في خطابه الشهير امام الكنيست في 13 تشرين الأول من العام الماضي من الرئيس هرتسوغ هذه الخطوة الذي رفضها، طالما انه يخضع للتحقيق امام القضاء في مجموعة التهم الموجهة إليه ومعه زوجته باستغلال السلطة من موقعه لأغراض شخصية.
على هذه الخلفيات تترقب المراجع الديبلوماسية والسياسية عند مقاربتها للوضع في لبنان ان ينجح ايزنكوت في اتخاذ الخطوات التي يطالبه بها الداخل الاسرائيلي للإسراع بالخروج من أجواء الحرب بعد تحميل نتنياهو مسؤولية إطالتها لإبعاد شبح الأحكام القضائية التي يمكن ان ترسم مصيره على شكل ما لقيه نظيره السابق إيهود أولمرت الذي دخل السجن بعد حرب تموز 2006. ذلك ان أي خطوة من هذا النوع قد تساعد التوجه الذي يسعى اليه الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي يستعجل انهاء الحرب في جنوب لبنان بمعزل عما يجري في إيران ودول الخليج العربي للتخفيف من حجم الضغوط التي يستعد لمواجهتها مع الأكثرية الديمقراطية التي ستتحكم بعمل مجلسي النواب والشيوخ بعد تسلمها مهامها الدستورية في 3 كانون الثاني المقبل.






