المركزية - في ظل تصاعد هجمات الحوثيين في المنطقة، ولا سيما استهداف السعودية، تتجه الأنظار إلى موقف واشنطن ومدى استعدادها للتحرك لوقف تمدد الجماعة وتوسيع دائرة استهدافاتها. وفي موازاة ذلك، يبرز تساؤل حول إمكان تحرك محور تركيا ـ السعودية ـ باكستان (اتفاق مكة)، وما إذا كانت مصر ودول أخرى قد تنضم إليه، في محاولة لإعادة رسم معادلات الأمن الإقليمي.
في المقابل، تطرح التطورات الراهنة تساؤلات حول الدور الذي يمكن أن تؤديه الصين، ولا سيما في ضوء اتفاق بكين بين السعودية وإيران عام 2023، الذي قام على مبدأ خفض التوتر وتحسين العلاقات بين البلدين. فبعد تجدد استهداف المملكة من جانب الحوثيين، تبرز علامات استفهام حول مدى قدرة الاتفاق على توفير الضمانات الأمنية التي كانت الرياض تتطلع إليها، وحول ما إذا كانت ستلجأ مجدداً إلى بكين للضغط على طهران بهدف احتواء نشاط أذرعها في المنطقة، أم أن التطورات الميدانية تفرض إعادة النظر في ترتيبات الأمن الإقليمي برمتها؟
العميد ناجي ملاعب، المختص أكاديميًا في الجيوبوليتيك، يؤكد لـ"المركزية" أن "الخبراء الاقتصاديين الغربيين يرون أن واشنطن تستفيد من إغلاق مضيق هرمز عبر ارتفاع أسعار النفط، إذ إن استخراج النفط في الولايات المتحدة وفنزويلا يكلف أكثر من مئة دولار للبرميل، لكن إذا بقي السعر فوق هذا الحد، تتحوّل الولايات المتحدة من مستورد إلى مورّد للبترول".
ويضيف: "إذا توقّف النفط السعودي لفترة، فإن ذلك يساعد أولًا في تعزيز توريد النفط الأميركي، وثانيًا يوجّه رسالة إلى المملكة بأن واشنطن، صحيح أنها بدأت حربها على إيران من دون استشارة دول الخليج، لكن عندما طلب الرئيس الأميركي دونالد ترامب انخراطهم في القتال لم يجد تجاوبًا، لأن هذه الدول رأت أن مصلحتها تكمن في تجنّب المواجهة المباشرة، من منطلق ان القواعد الأميركية لم تحمِ المنطقة، وإذا انسحبت واشنطن قد تندلع صدامات إقليمية بين إيران ودول الخليج. لذلك حكّمت دول الخليج العقل، وفضّلت لعب دور الوسيط، حيث تلعب قطر دورًا مهمًا، والإمارات لم تقطع التواصل، وكذلك عُمان والسعودية. هذا الموقف أغضب الرئيس الأميركي الذي قال بوضوح إن استهداف الحوثيين لا يطال السفن الأميركية، وبالتالي "هذه مشكلة لا تخصني".
وعن اتفاق مكة، يشير ملاعب إلى أن "رئيس الوزراء الباكستاني أوضح أن هذا التحالف دفاعي، هدفه حماية الدول الأعضاء، لكنه لا ينخرط في حروب خارجية. أي أن تركيا وباكستان لن تشاركا في حرب ضد الحوثيين في اليمن".
ويتابع: "معرض الدفاع العالمي الذي أقيم في السعودية مطلع هذا العام أثبت وجود تعاون كبير بين المملكة وباكستان وتركيا في مجال إنتاج الأسلحة، ليس فقط عبر الاستيراد، بل من خلال عقد منذ تموز 2025 لإنتاج 70% من مسيّرات "بيرقدار" التركية داخل السعودية لصالح الجيش السعودي. وبالتالي لا ينقص المملكة السلاح، لكنها اختارت الحكمة وعدم استخدام القوة المفرطة"، مشيرًا الى ان "السعودية كانت على طريق الحل قبل اندلاع الاشتباكات الأخيرة والعدوان الحوثي الجديد، حيث جرى تبادل سجناء وتفاهمات في الرياض. لكن إيران، عندما احتاجت إلى تحريك أذرعها، دفعت حزب الله لإطلاق ستة صواريخ في الجنوب اللبناني، كما استخدمت الحوثيين في اليمن".
ويرى ملاعب أن "هذا التحالف الدفاعي ضروري، ويشكل رسالة مهمة للأميركيين والإسرائيليين والإيرانيين، خصوصًا مع وجود تعاون صناعي عسكري بين باكستان وتركيا واستثمارات سعودية. وسيُستَكمَل بوضع آلية إدارية وتعيين أمين عام له".
وعن إمكانية انضمام مصر الى التحالف، يرى ملاعب ان "ولي العهد السعودي زار مصر، وكذلك الرئيس التركي، ما يضع القاهرة في موقع غير بعيد عن هذا الجو، رغم أن مناوراتها مع اليونان أغضبت أنقرة. مصر لديها سياستها الافريقية وتنشئ جيشها وتقوم بقدرات مهمة، وبالتالي لا أتوقع ان تنضم إلى هذا الحلف، ولا أظن أيضًا انه سيتوسع لأن أركانه الثلاثة كافية لقيادته".
أما عن اتفاق بكين، فيوضح ملاعب أن الهدف منه كان إعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، ولم يشمل الحوثيين مباشرة. الاتفاق الأوسع كان بين إيران والصين عام 2021 بقيمة 400 مليار دولار، مقابل خدمات بنية تحتية وتقنيات عسكرية. أما السعودية، فبعد توتر علاقاتها مع الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، اتجهت نحو الصين، وبلغ حجم التبادل التجاري بينهما 109 مليارات دولار، مع حديث عن التعامل باليوان بدل الدولار".
ويخلص ملاعب إلى أن "الاتفاق السعودي–الإيراني برعاية الصين خفّف التوتر وأعاد السفراء، لكن التصعيد الأخير يكشف أن إيران ما زالت تستخدم أذرعها الإقليمية، ما يجعل أي تفاهم هشًا أمام حساباتها الاستراتيجية".






