المركزية - في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها الحرب الروسية الأوكرانية، تتجه الأنظار إلى ملامح تقارب أميركي روسي محتمل، يتجاوز حدود الميدان الأوكراني إلى ملفات الطاقة والأمن الدولي والعلاقات مع القوى الكبرى. فبين تبدّل مقاربة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للحرب، وتصاعد الخلاف مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، تبرز مؤشرات إلى محاولات لإعادة ترتيب التفاهمات الدولية، تتقاطع فيها المصالح الروسية والأميركية مع الحسابات الصينية.
وفي هذا السياق، برز الحديث عن اقتراح روسي لعقد لقاء يجمع ترامب بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الصيني شي جين بينغ على هامش قمة "أبيك" في الصين في تشرين الثاني المقبل، لبحث ملفات دولية، في مقدمها الحرب الأوكرانية ونزع السلاح النووي، ما يطرح تساؤلات حول احتمال بلورة تفاهمات كبرى قد تعيد رسم موازين القوى الدولية وتؤثر في مسارات الأزمات القادمة.
المحلل السياسي الدكتور خالد العزي يقول لـ"المركزية": "صدق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في توجسه من الثلاثي: الولايات المتحدة الأميركية والصين وروسيا، وهو من دقّ ناقوس الخطر. فهل تستعد أوروبا فعلياً لإعادة النظر في موقعها وطبيعة علاقاتها؟ لا أحد يستطيع إسقاط أوروبا أو العقول الأوروبية، لكن يمكن السعي إلى ابتزازها أو تهميش دورها".
ويضيف: "يكفي أن نشير إلى الاجتماع الذي عُقد في أثينا، حيث تحدث ماكرون بنبرة حادة وحذرة، ودق ناقوس الخطر أمام الأوروبيين، قائلاً: نحن أمام أزمة جديدة تُفتح في أوروبا، وعلينا الحذر من هذا الثلاثي العالمي الذي يحاول تشكيل تحالفات على حسابنا لمصلحة دوله. إنه ما يمكن وصفه بـ"تحالف الأضداد" وفق المنهج الديالكتيكي الاقتصادي التاريخي، فعندما تتحالف الأضداد تكون النتيجة صراعات ومحاولات لتقاسم العالم على حساب القارة العجوز".
ويتابع: "في لقاء أثينا، رأى ماكرون أن خطراً يحدق بأوروبا من خلال هذا الثلاثي الذي بات يتغول عليها ويحاول استنزافها. فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين يستفز أوروبا ويبتزها بورقة الطاقة ويحاول استنزافها، رغم أنه هو نفسه يتعرض للاستنزاف. كما أنه لا يريد إيقاف الحرب، لأن أوروبا هي التي تتحمل كلفة المجهود الحربي المرتبط بأوكرانيا".
ويشير إلى أن "الصين تحاول تطويق أوروبا عبر بناء اقتصادات تصديرية تغزو أسواقها ومصانعها ومرافئها، مستفيدة من اليد العاملة الرخيصة ومن علامات تجارية غير مسجلة، في محاولة لإضعاف المنافسة داخل الأسواق الأوروبية، ما يهدد المصانع الأوروبية والعمال الذين قد يجدون أنفسهم عاجزين عن مواجهة هذا المد الاقتصادي الصيني".
ويضيف: "أما الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فيتعامل مع أوروبا باستخفاف، ويهددها باستمرار برفع الرسوم والضرائب، ويؤكد أنه غير مستعد للدفاع عن أحد، مطالباً الدول الأوروبية برفع إنفاقها الدفاعي إلى حدود 5 في المئة لتغطية نفقات حلف شمال الأطلسي. وبالتالي تجد أوروبا نفسها اليوم أمام مثلث اقتصادي ضاغط. من هنا جاء موقف ماكرون الذي أكد أن الفرصة لا تزال قائمة لاستعادة الدور الأوروبي، لأن هذا الدور لم ينتهِ ولن ينتهي لمجرد التعرض إلى حصار أو ضغوط".
ويقول العزي: "ترامب يتعامل مع أوروبا على أساس أنها يجب ألا تكون حليفاً نداً، بل تابعاً ينفذ سياساته. لذلك يحاول الأوروبيون تجاوز هذه المرحلة وعدم الدخول في مواجهة مباشرة معه، خصوصاً أنهم يدركون وجود حلفاء وأصدقاء وشبكات سياسية داخل الولايات المتحدة وخارجها".
ويضيف: "كان ماكرون محقاً عندما دق ناقوس الخطر، لأنه قرأ مبكراً تداعيات الانفتاح الأميركي على موسكو بعد الوعود المتعلقة بالأزمة الأوكرانية، ما أتاح لبوتين هامشاً أوسع للتحرك بعدما كان يعيش عزلة سياسية نسبية".
ويتابع: "في المقابل، شعر الأوروبيون بأنهم مستبعدون من عدد من التفاهمات والملفات الدولية، سواء ما يتعلق بأوكرانيا أو بالتوترات الإقليمية الأخرى. وهذا ما عزز لديهم الشعور بأن دورهم يتراجع في بعض الملفات الكبرى، رغم أنهم يتحملون جزءاً أساسياً من أعبائها السياسية والاقتصادية".
ويؤكد أن "ترامب يدير السياسة بمنطق الصفقات، ويرى أن الطرف الأقوى هو الذي يفرض شروطه على طاولة التفاوض. لكن نجاح هذا النهج ليس مضموناً، لأن موازين القوى الدولية أكثر تعقيداً من أن تُدار بمنطق الصفقات فقط".
ويرى أن "القضية الأوكرانية لا تزال تشكل نقطة خلاف أساسية بين الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية، ولا سيما فرنسا وألمانيا اللتين تؤكدان باستمرار رفض التخلي عن أوكرانيا مهما كانت الظروف. وهذا الموقف يحمل في طياته رسالة سياسية واضحة إلى ترامب".
ويضيف: "حتى الآن، لم تُظهر كييف استعداداً للتراجع عن خياراتها العسكرية، كما أن موسكو لا تبدو مستعدة لتقديم تنازلات جوهرية. لذلك فإن الأزمة لا تزال مفتوحة على احتمالات متعددة".
ويختم : "الصين وروسيا تحاولان توسيع نفوذهما في أكثر من ساحة إقليمية ودولية، فيما تسعى الولايات المتحدة إلى حماية مصالحها الاستراتيجية. أما أوروبا، فهي أمام تحدٍ حقيقي يتمثل في الحفاظ على استقلالية قرارها ومكانتها الدولية في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام العالمي".






