خاص-
المركزية – تتجه الأنظار إلى المهمة الأمنية الأوروبية المرتقب إرسالها إلى لبنان، في ظل البحث عن صيغة تضمن استمرار الدعم الدولي للجيش اللبناني وتفادي أي فراغ أمني في الجنوب مع انتهاء مهمة اليونيفيل. لكن طبيعة هذه المهمة وحدود صلاحياتها لا تزالان موضع بحث، في وقت تتزايد فيه التساؤلات حول قدرتها على مواكبة التحولات الميدانية، لا سيما في القرى الحدودية المسيحية التي تخشى أن تجد نفسها أمام واقع أمني وإنساني أكثر تعقيداً بعد انسحاب القوات الدولية.
في 8 تشرين الأول 2026 أعلنت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس، أن "التحضيرات للمهمة الأوروبية الجديدة اكتملت، ويُتوقّع أن يُقرّ وزراء خارجية الاتحاد إنشاءها في 12 تشرين الأول، بعد تلقي دعوة رسمية من السلطات اللبنانية. وهذه المهمة ليست بديلاً من اليونيفيل، ولن يقتصر نطاق عملها على جنوب لبنان، بل سيشمل تعزيز السيطرة على الأراضي وأمن الحدود والأمن الداخلي، بما يتوافق مع القرار 1701".
رئيس لجنة متابعة تنفيذ قرارات مجلس الأمن الخاصة بلبنان، طوني نيسي يوضح لـ"المركزية" أن التحرك الأوروبي لا يعني حتى الآن الاتفاق على تشكيل قوة بديلة لليونيفيل بالمفهوم المتعارف عليه. والمطروح بحسب المعطيات إرسال نحو مئة ضابط وعنصر أوروبي لتدريب الجيش اللبناني وتجهيزه ودعمه، فيما لا يزال التفاهم الأميركي ـ الأوروبي على طبيعة المهمة المقبلة وصلاحياتها غير محسوم. ويأتي هذا التحرك في إطار مسعى أوروبي لتجنب الفراغ الأمني ومساندة الجيش، بالتوازي مع مواقف أوروبية تشدد على ضرورة نزع سلاح حزب الله في مختلف الأراضي اللبنانية.
في المقابل، لا تبدو المقاربة الأميركية متطابقة مع التصور الأوروبي. فواشنطن، لا تريد تكرار تجربة اليونيفيل، التي يرى الأميركيون أنها لم تمنع حزب الله من إعادة بناء قدراته تحت مظلة الوجود الدولي، إنما ترتيبات قادرة على تنفيذ اتفاق الإطار، سواء من خلال قوة دولية ذات دور فاعل أو عبر تفاهم مباشر مع الدولة اللبنانية، فيما تبرز أيضاً معارضة إسرائيلية لمشاركة أوروبية، ولا سيما فرنسية، في أي قوة بديلة.
يتوقف نيسي عند دور المهمة الأوروبية في ضمان مستقبل القرى الحدودية التي تعتمد على ترتيبات ميدانية لتأمين وصول المساعدات والمواد الأساسية. ويقول" تواجه بلدات رميش ودبل وعين إبل مخاوف جدية من أن يؤدي انتهاء مهمة اليونيفيل إلى تعقيد حركة السكان والإمدادات، في ظل الحواجز والتدابير الإسرائيلية القائمة في بعض المناطق. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى تحديد الجهة التي ستتولى بعد انسحاب اليونيفيل التحقق من الوقائع الميدانية وتسهيل المرور وضمان وصول المساعدات، وما إذا كانت المهمة الأوروبية ستضطلع بجزء من هذه المسؤولية أم سيقع العبء على الجيش اللبناني وحده".
وإذ يشير إلى أن اتفاق الإطار الموقع برعاية أميركية يمكن أن يشكل أساساً لترتيبات بديلة إذا جرى تفعيله، شرط تحديد الجهة التي ستتولى المهام المطلوبة وآلية الإشراف على اللجان المشتركة، إلا أن عدم وجود قوة بديلة، يصبح من الضروري أن تتولى الدولة اللبنانية، عبر الجيش، وضع آلية دائمة تضمن سلامة الوصول إلى القرى الحدودية وعدم انقطاع الإمدادات عنها.
بالتوازي ينفي نيسي الكلام عن دعوات من جهات إسرائيلية اهالي القرى المسيحية في الشريط الحدودي باللجوء إلى إسرائيل ويؤكد أن هذه مصدرها عائلات وأقارب لأهالي هذه القرى الذين دخلوا إلى إسرائيل عام 2000 بسبب الأوضاع الإنسانية والاجتماعية للسكان، وهذا لا يعني بالضرورة وجود طلب رسمي إسرائيلي لإخلاء القرى، في حين يؤكد السكان تمسكهم وبقاءهم في أرضهم. لكن هذه الروابط تطرح تحدياً إضافياً أمام الدولة، التي ينبغي أن تضمن حصول السكان على الغذاء والعلاج والمساعدات، وألا يجدوا أنفسهم بين العزلة والحاجة من جهة، وشبهة التعاون من جهة أخرى لمجرد تلقي مساعدة إنسانية من أقاربهم.
وفي هذا الإطار، يرفع الأب نجيب العميل الصوت محمّلاً الدولة مسؤولية إيجاد حل دائم لسكان هذه المناطق، وتأمين طريق يربطهم بالمناطق الخاضعة لسلطتها إلى حين التوصل إلى تسوية واضحة. كما أن تأكيد رئيس الجمهورية جوزاف عون أن لبنان لن يتخلى عن أبناء القرى الحدودية يحتاج إلى ترجمة عملية عبر آلية واضحة، بالتعاون مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية.
يختم نيسي" التحدي اليوم أمام المهمة الأمنية الأوروبية المرتقبة لا يقتصر على تحديد عدد عناصرها ومهماتهم التدريبية، بل يتصل أيضاً بالدور الذي يمكن أن تؤديه في المرحلة الانتقالية بعد اليونيفيل، وبمدى قدرتها على مساندة الجيش اللبناني في تنفيذ مهامه الرسمية وضمان أمن السكان واستمرارية التواصل مع القرى الحدودية. والمطلوب وفق هذا الطرح، ليس قوة تكتفي بمراقبة الوضع، بل صيغة واضحة تساند الدولة اللبنانية في بسط سلطتها وتنفيذ القرارات المتعلقة بحصر السلاح بيدها، من دون تكرار تجربة قوة دولية لم تنجح في منع تدهور الأوضاع أو معالجة المخاوف المتراكمة في الجنوب".






