ما من مؤشرات توحي بانفراج قريب جنوبًا. أمّا في السياسة، فالسلطة الحالية في دولة العدو الإسرائيلي تستعد لاستحقاق انتخابي، وتستثمر الوقائع الميدانية على الجبهات لصالحها. وهذا التقاطع بين السياسة والميدان يطرح سؤالين أساسيين: ما مصير تلة علي الطاهر؟ وماذا بعدها؟
وإذ يستمر جيش العدو في عملياته العسكرية جنوبًا، لا تزال "علي الطاهر" تتصدر الواجهة، وسط مخاوف جدية من تفاقم الواقع الميداني، إذ باتت إسرائيل تحكم الخناق على محيطها ومداخلها وتصوّب عليها أسلحتها.
وعلى الخط السياسي، لم يُحدَّد بعد موعد الجولة المقبلة من المفاوضات بين لبنان والعدو الإسرائيلي، برعاية أميركية في روما، في مؤشر إلى جمود أو غياب الوضوح حيال مستقبل عدد من الملفات ذات الصلة، على الرغم من الفصل بين المسارين التفاوضيين، اللبناني–الإسرائيلي والأميركي–الإيراني.
بعد "علي الطاهر"؟
طُرحت سيناريوهات عدة من أطراف مختلفة لنزع فتيل أزمة علي الطاهر، لكن "حزب الله" لم يوافق على تسلّم الجيش اللبناني الموقع، في وقت يصر فيه جيش العدو على الاستحواذ على هذا الموقع الاستراتيجي، سواء من حيث موقعه الجغرافي أو ما يحتويه من مخزون.
وبانتظار اتضاح النتائج الميدانية، سأل مصدر مراقب عبر "الأنباء الإلكترونية": هل تنتهي مهمة إسرائيل إذا سيطرت على علي الطاهر واحتلتها؟
إلى ذلك، صرّح وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس، من الجنوب السوري، بأن "قوات الجيش الإسرائيلي تتواجد هنا وفي جميع أنحاء جبل الشيخ وهضبة الجولان، وفي كامل المنطقة الأمنية"، مضيفًا: "من هنا نطل على دمشق من الأعلى، ونطل على البقاع في لبنان، وعلى معاقل حزب الله، وبالطبع نطل ونحمي بلدات هضبة الجولان والجليل في مواجهة القوات الجهادية المتواجدة في الجانب المقابل"، على حد تعبيره.
ورأى المصدر في كلام كاتس مؤشرًا خطيرًا إلى ما قد يحصل في المرحلة المقبلة، معتبرًا أن العدو الإسرائيلي قد يتجه لاحقًا نحو تفكيك ما يُعرف بمنشآت جبال لبنان الشرقية والغربية عند الحدود السورية.
وأشار إلى أن ذلك قد يتم عبر أحد مسارين: الأول، الدخول من منطقة البقاع الغربي باتجاه البقاع الشرقي وعزل الجنوب اللبناني، وهو سيناريو يستبعده المصدر لصعوبته جغرافيًا وسياسيًا واستراتيجيًا وتكتيكيًا، ولا سيما بعد ضربة مطار أبو الظهور.
أما السيناريو الثاني، والأكثر ترجيحًا وفق المصدر، ففي حال أنجز العدو الإسرائيلي عملية علي الطاهر، يتمثل في الدفع نحو تفكيك خط الدفاع الثالث للحزب، أو ما يُعرف بـ"كتف البقاع"، عند مدخل الشوف ومنطقة كفرحونة–عرمتى وما يُعرف بنبع الطاسة.
واعتبر المصدر أن هذا المسار من شأنه إرباك "حزب الله"، لأنه لم يعد قادرًا على بناء منشآت جديدة في هذه المنطقة، مشيرًا إلى احتمال أن يلجأ العدو الإسرائيلي إلى تنفيذ إنزال كبير في منطقة سلسلة لبنان الشرقية، على غرار إنزال سابق، لتنفيذ ما يخطط له.
واستبعد المصدر أن تنجز إسرائيل عملية علي الطاهر قبل الانتخابات الإسرائيلية المقبلة وقبل الجولة الثامنة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، لافتًا إلى أن رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو يريد استثمارها في استحقاقه الانتخابي.
إلا أن المصدر حذّر مما وصفه بـ"المشكلة الخطيرة"، في حال وقع تطور ميداني في علي الطاهر أدى إلى استهداف ضباط أو عناصر من الحرس الثوري الإيراني في الموقع، أو دخلت إسرائيل إليه، وقررت إيران الرد بصواريخ باليستية أو بأي عمل عسكري آخر. عندها، وفق المصدر، قد تسقط كل التفاهمات، ويأتي رد إسرائيلي عنيف، وسط محاولة تحميل إيران مسؤولية خرقها، في وقت انتهت الهدنة بين واشنطن وطهران وتفرض الولايات المتحدة خناقًا اقتصاديًا على إيران.
خط الحجاز يعود إلى الواجهة
وفي موازاة المشهد الأمني والسياسي، فتحت زيارة وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني إلى دمشق ملفًا اقتصاديًا ولوجستيًا لا يقل أهمية، مع بحث إعادة تفعيل الربط البري والسككي بين لبنان وسوريا وفتح مسارات أوسع نحو العراق والأردن والخليج وتركيا.
وزار رسامني، على رأس وفد مرافق، العاصمة السورية، حيث كان في استقباله نظيره السوري وزير النقل يعرب بدر، في زيارة خُصصت لتعزيز التعاون في مجالي النقل البري والسككي وتطوير الربط بين البلدين.
وأكد رسامني أهمية الانتقال بالتعاون في قطاع النقل إلى مسار عملي يستند إلى المصالح المشتركة، وتطوير خيارات لبنان اللوجستية وتعزيز قدرته على الوصول إلى الأسواق الإقليمية، مشيرًا إلى أن تطوير هذا المسار من شأنه توفير خيارات أكثر فعالية للنقل، وخفض كلفته، وفتح آفاق أوسع أمام لبنان ومرافئه للتجارة والترانزيت.
ولفت إلى أن الرؤية تتجاوز الربط الثنائي إلى مسار إقليمي أوسع يتيح ربط لبنان، عبر الشبكة السورية، بالعراق والأردن ودول الخليج وتركيا، والاستفادة من موقع لبنان ومرافئه على شرق المتوسط في خدمة التجارة الإقليمية.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية إضافية في ظل إقفال مضيق هرمز وعودة الأنظار إلى الخطوط البرية القادرة على توفير بدائل لحركة التجارة الدولية، فيما يتركز الهدف اللبناني على ربط مرافقه وشبكاته بخط الحجاز وتوسيع خيارات النقل والترانزيت.
كما تناولت الزيارة أوضاع المعابر البرية وسبل تطويرها وتسهيل حركة العبور. وأشار رسامني إلى أن معبر العبودية يتجه إلى إعادة فتحه خلال نحو أسبوع، بما يسهم في تخفيف الضغط والازدحام عن المعابر الأخرى، كما تناول البحث مشروع تطوير معبر المصنع ومتطلبات تأمين التمويل اللازم لتنفيذه.
زياد شيا: خطوات سريعة
وأوضح المدير العام للمؤسسة العامة لسكك الحديد والنقل المشترك زياد شيا، في حديث لـ"الأنباء الإلكترونية"، أن الخطوات التي ستعقب الزيارة ستتم بوتيرة سريعة، مشيرًا إلى تشكيل لجنة لبنانية–سورية مشتركة، يمثل فيها الجانب اللبناني شخصيًا، فيما يمثل الجانب السوري المدير العام للنقل.
ولفت شيا إلى أن مهمة اللجنة تتمثل في ترجمة ما تم الاتفاق عليه، من خلال جولة ميدانية على خط المشروع من طرابلس إلى العبودية، ولا سيما منطقة العبودية من الجانب السوري، وصولًا إلى العكاري وحمص، كاشفًا أن الجولة الميدانية مقررة، كحد أقصى، الأسبوع المقبل.
أما المسألة الأخرى التي جرى الاتفاق عليها، وفق شيا، فهي عقد اجتماع لمناقشة كل التفاصيل ذات الصلة بإسهاب، مشددًا على أن الجانبين اللبناني والسوري يعتبران المشروع مشروعًا مشتركًا، لما يشكله تنفيذه من مصلحة للدولتين على المستويات الاقتصادية والتجارية والسياسية.
حل "قسد": خطوة في اتجاه حفظ وحدة الأراضي السورية
وعلى خط إقليمي آخر، أعلن القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية "قسد" مظلوم عبدي حلها واندماجها الكامل في مؤسسات الدولة السورية. وأكد انتهاء مهمة "قسد" وحلها كقوة عسكرية، معتبرًا أن المرحلة المقبلة يجب أن تكون انتقالًا من ساحات المعارك إلى ساحات البناء.
وشدد عبدي على أن الهدف هو بناء سوريا جديدة لجميع أبنائها، من عرب وكرد وتركمان وآشوريين، وأن تكون سوريا موحدة تحمي مستقبل أبنائها وتؤمن حياة كريمة لأطفالها، مشيرًا إلى أنه لمس موقفًا من الرئيس السوري أحمد الشرع بشأن حق التعليم باللغة الكردية.
بدوره، وصف المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم براك اندماج "قسد" في مؤسسات الدولة السورية بأنه تطور "تاريخي بكل المقاييس"، مؤكدًا أن ملامح سوريا موحدة بدأت تتبلور.
وقال براك إن خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للشرق الأوسط تمضي قدمًا، مع انتقال شريك لواشنطن إلى إطار وطني سوري موحد، مضيفًا أن قيادة ترامب فتحت الطريق أمام الاندماج المنظم لقوات سوريا الديمقراطية في مؤسسات الدولة.
وأشار إلى الاعتراف باللغة الكردية في التعليم، وضمان أدوار وصفها بالجوهرية لمظلوم عبدي والقيادية الكردية إلهام أحمد داخل الحكومة السورية.
وختم براك بالقول: "جيش واحد، حكومة واحدة، دولة واحدة".
"الأنباء" الالكترونية






