المركزية - ألقى المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان خطبة الجمعة، في مسجد الإمام الحسين في برج البراجنة، قال فيها:
"قال الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه العزيز {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} بعون الله وتوفيقه أيها الإخوة المؤمنون نبدأ حديثنا انطلاقاً من هذه الآية الكريمة التي يؤكّد الله فيها أنه لا شيء أخطر على الإسلام والمسلمين ودولهم من الخصومة أو العداوة أو الاقتتال والقطيعة، ليؤكّد لنا أن قتال أهل الإسلام كارثة تطال الدين قبل أن تطال الدنيا، وتطال الوجود قبل أن تطال العهود، وهذا يضعنا أمام المسؤولية الإسلامية العامة لمفهوم الإسلام والإيمان والانتماء، وما تعنيه عهود المجموعة الإسلامية بمواثيق الله تعالى وعالم الاستخلاف.
وضمن هذا النطاق، يحسم الله تعالى قضية أن أهل الإسلام لا يحقّ لهم أن يقيموا علاقات أو ولاءات أو أيّ نوع من أنواع التبعية مع دولة طاغية أو جهة ظالمة أو عقيدة سياسية مناهضة للأخلاق القرآنية والإنسانية على حساب الإسلام والقيم السماوية والوجودية {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} {المائدة/51}
وبتعبير آخر: لا يمكن للكيان السياسي الإسلامي (مهما كان) أن يقيم علاقات مع واشنطن مثلاً على حساب العلاقات الإسلامية – الإسلامية، وما يلزم عليها من جهة الضامن القرآني والأخوّة العامة وفق المرجعية الضامنة لمنطق الصراط المستقيم.
والأخطر أن الله تعالى لا يقبل بإقامة أيّ علاقة مع أيّ كيان سياسي ينتقص من قيمة العلاقات الإسلامية- الإسلامية وقيمها الضامنة، {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} (المائدة/50) لأن الأولوية مطلقاً هي لأهل الإسلام وللروابط الحقوقية الأخوية الفردية والكيانية فيما بينهم، والجذر الأساس في دين الله ودين نبيّه’ هو قوله تعالى {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}، والمضبط هنا يختصر حقيقة الانتماء لله ودينه ونبيه’ على مستوى الكيانات السياسية الإسلامية من خلال الوحدة النوعية.
والروابط القرآنية والأخوّة العامة (للكيانات السياسية المختلفة) تتسع بسعة ما يلزم من شراكة وتضامن وتكامل وتكافل وفق الميزان القرآني، لأن الله تعالى لا يريد ولا يرضى لأي كيان سياسي إسلامي أن يتحوّل دبابة أمريكية أو ترسانة صهيونية ضد ناسه وشعبه وباقي الكيانات الإسلامية. وهذا المنطق الإلهي حاسم وجازم، لأن هذا الصنف من الكيانات التابعة حين ينخرط بسياسة القتل الأمريكية أو الإرهاب الصهيوني يتحوّل ترسانة صهيونية أو أمريكية اتجاه أمته وناسه، بل اتجاه مواثيق الله تعالى".
والموقف القرآني هنا ليس للتحدي أو تأجيجاً للنار بل لإطفاء النار ولمنع الفتنة الشاملة، وخاصة أن الشرق الأوسط اليوم يعاني من أخطر فتنة أمريكية صهيونية أوروبية، والعين على موقف استثنائي لباكستان وإيران والسعودية وتركيا والعراق ومصر والجزائر واليمن وسوريا ولبنان لأخذ موقف واضح وكبير من مشروع الفتنة الأخطر الذي تقوده واشنطن بالتنسيق الخلفي مع تل أبيب وبروكسل لضرب الدول الإسلامية ببعضها البعض، وإشعال فتيل نار شاملة لا يمكن لأحد إطفاؤها حتى تصل الأمور الى الخراب الأبدي.
وهنا أتوجّه بالقول للقيادة في المملكة العربية السعودية: إن الحجاز بلد الحرمين الشريفين ومهد النبوّة ومنزول القرآن وموضع النُسُك، وهذه القيم النوعية تفترض عليها أن تكون بمثابة الأب الحقيقي للروابط القرآنية، أي أن تلعب دور الأخ الأكبر لمنع أي فتنة، بل تعمل لكسر أي سطوة دولية أو إقليمية ظالمة.
وهذا ما نريده من المملكة العربية السعودية، وهذا بمنطق القرآن الكريم ضرورة الضرورات، وإيران وتركيا وباكستان ومصر والعراق واليمن وسوريا ولبنان هم يد واحدة للسير معاً لتأسيس حلف متكامل في مواجهة الهيمنة الأمريكية الصهيونية في منطقة الشرق الأوسط، وعلى قاعدة أساسية، وهي تكريس مصالح العرب والمسلمين كأساس أول لهذه الرابطة الأمنية وتلك الشراكة السياسية أو المدنية، وإلا فالبديل عن هذه الشراكة الإسلامية - الإسلامية ستكون كارثة لكل عالمنا العربي والإسلامي، لأن البديل إذا كان قطيعة وعداوة وحروب وخراب لن يطال دولة واحدة فقط بل سيطال صميم الدول الإسلامية التي قد حان الوقت لأن تلعب دورها الريادي في تأسيس أضلاع النظام الدولي، وهذا ما تمنعه واشنطن التي تصادر الشرق الأوسط، وتتخذ منه شبكة قواعد عسكرية وقدرات كيانية للنهب الطاقوي والاقتصادي والمالي الذي يمنع الدول العربية والإسلامية من قدرة الوحدة والدور الريادي على مستوى أضلاع النظام الدولي الذي يدير نفوذ وقدرات وإمكانات النظام العالمي الحالي".
ولفت المفتي قبلان ، الى "إن اللحظة الآن مواتية للغاية، وخاصة أن أميركا بعد حرب إيران تعاني من أسوأ ضعف تاريخي، فضلاً عن شلل هيكلي غير مسبوق في قدرة فعلها الاستراتيجي، والحل ببناء منظومة أمن إقليمي يتشكّل من الدول العربية والإسلامية في المنطقة، والاستهتار والاستخفاف والتهاون سيكون كارثياً لأن اللحظة الإقليمية لحظة وجود وقدرة صمود وبقاء.
أقول للعرب بكل صدق ومحبة: لا يوجد في تاريخ العرب والدول الإسلامية في هذا الزمان قوة فتيّة ونشطة واستثنائية وذات قدرات تقليدية كتلك القوة التي شكّلتها القدرات الشعبية اللبنانية في وجه المشروع الأميركي الصهيوني الذي يريد ابتلاع بلاد العرب والمسلمين لصالح الصهيونية العالمية".
واستطرد المفتي قبلان :وفي هذا المجال ، شكّلت المقاومة في لبنان أكبر نماذج هزيمة إسرائيل طيلة نصف قرن، والأهم الحرب الأخيرة، أي حرب ما بعد الطوفان، لأن واشنطن منذ العام 2006 حيّدت تل أبيب، وعلى الأثر أنشأت منظومة قوة أطلسية لتكون نواة الحرب الأخيرة بهدف الخلاص من لبنان وقدرات مقاومته وهويته السيادية والتاريخية، وذلك في سياق ضرب أعمدة الشرق الأوسط وخوض حرب إيران التي كانت بمثابة حرب القرن ومفتاح النظام الدولي الجديد.
وهذا ما حصل، ليتفاجأ الجميع بأن تكون المقاومة اللبنانية في قلب أكبر الإنجازات التاريخية الاستثنائية، وهذه الملاحم الأسطورية برسم الأخوة العرب، لأن مقاومة لبنان لا تريد إلا وحدة العرب والمسلمين بسياق معركة حماية الإقليم من الخرائط الأميركية الصهيونية، وهذه الحقيقة المصيرية نضعها برسم الدول العربية والإسلامية.
لا نريد للأخوة العرب إلا الشراكة والاستقلال الحقيقي ومنع خرائط إسرائيل الكبرى عن بلاد العرب والمسلمين. ولذلك نريد للمملكة العربية السعودية أن تكون الأخ الشريك للجمهورية الإسلامية الإيرانية، وكذلك للعراق ولمصر وللبنان ولليمن ولكل الدول الإسلامية، وهذا المنطق يفترض إطفاء نار الفتنة الأميركية الأوروبية الصهيونية في منطقتنا.
وللتاريخ أقول: أميركا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وباقي دول الأطلسي يريدون نفط وثروات التعاون الخليجي والشرق الأوسط وإلا الفتنة والنار والخراب ولا ثالث في هذه المعادلة.
وتذكّروا أن تاريخ هذه الدول الاستعمارية كان وما زال على حاله بل اليوم أشرس، والكل مطالب اليوم قبل الغد - وخاصة دول الثقل الإقليمي - بموقف يليق بأخطر اللحظات التي تطال منطقتها وواقعها الاستراتيجي. والعنوان هنا ما يعنيه القرآن وما تعنيه الروابط الإسلامية، وما بعد حرب إيران مختلف تماماً عما قبلها، وما يجري اتجاه اليمن خطأ استراتيجي ومربح هائل لمجمّعات الصناعات العسكرية الأميركية الأوروبية، ولا استقرار ولا ثروات ولا أمن إقليمي ولا شراكة إسلامية- إسلامية بوجود أميركا وأوروبا وإسرائيل في منطقتنا، وأملنا في هذا المجال معقود على موقف استباقي تاريخي كبير للمملكة العربية السعودية لمنع أخطر الفتن الأمريكية الأوروبية الصهيونية التي تطال بلاد العرب والمسلمين.
الحل بوقف النار لا بإشعالها وإشعال الشرق الأوسط كما تريد واشنطن، واللحظة لمدّ اليد لا لقطعها، واليمن أخ شقيق للمملكة العربية السعودية وكذلك لباقي بلاد العرب والمسلمين، وكل من يقرأ المنطقة بأعمدتها يدرك أن هياكل الهيمنة الأمريكية تتساقط.
اللحظة مصيرية للغاية لإعادة التفكير بالقوة البديلة للشرق الأوسط من خلال تكوين منظومة أمن إقليمي يجمع الدول العربية والإسلامية في المنطقة، وإلا لن تكون هذه المنطقة إلا منطقة دمار وفتن وخراب، ولن نترك العمل بـقول الله سبحانه وتعالى {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}.
الإصرار المتزايد للسلطة التنفيذية على تفريغ لبنان وضرب أعمدة بقائه داخلياً لهو أمر مهول وصادم، بحيث أنه لم يمرّ بتاريخنا سلطة لا تريد أن تعمل، بل تعمل ضد مصالح بلدها وشروط وجوده وضرورات شعبها واقتصادها.
القصة هنا لا تتعلق بفلتان الإعلام المرتزق والأبواق التي تمتهن التمزيق الداخلي والفتنة الطائفية الداخلية وتدفع نحو ذروة الانفجار فقط، بل بتخلّي هذه السلطة المخيف عن شروط لقمة الفقير وأساسيات المواطنة وضرورات الحياة وإمكانية العيش بكرامة في مختلف القطاعات، وما يلزم من صمود اجتماعي ومعيشي ونفسي وتربوي فضلاً عن تخلّيها عن واجب الدفاع الوطني والميثاق السياسي.
بتعبير آخر، نحن أمام سلطة للأسف لا تملك أهلية إدارة ملفات إدارية ومالية واجتماعية ومهنية ومعيشية، فضلاً عن أهلية إدارة هذا البلد وحماية وجوده وضمان تركيبته السيادية، وكلّ ذلك يأتي فيث سياق قعر وطني وكارثة فساد ومزاريب وظلمة وتضخم وجنون سلطوي وأخلاقي وإصرار سياسي يراد منه ضرب بنية السلطة ومشروع الدولة الضامنة. وهذا الأمر برسم رئيس الجمهورية المطالب بأجوبة صريحة عن هذه الممارسات الخطيرة التي تهدد وجود لبنان. ونتمنى أن يكون لديه الجواب لأن من لا يملك لا يعطي.
ولمن يهمه الأمر نقول لهم إنّ لبنان يريد سلطة تنفيذية لديها أهلية الإنقاذ الوطني وليس الانتحار الوطني، فالنار تحيط بنا من كل جانب، ولا يجوز بأي حال من الأحوال أن نترك وطننا للنار، بل سنمنع وسنحمي وسندافع ونضحي وإن شاء الله سنبني".






