بعد ستة وثلاثين عامًا على 13 تشرين الأول 1990، يشكّل استحضار تلك المحطة إنذارًا من تكرارها بأشكال مختلفة، ما دام قرار حصرية السلاح بيد الدولة مشتّتًا، وما دام اللبنانيون مهدّدين بدفع أثمان قرارات لم يتّخذوها. فالمأساة لا تتكرّر بالضرورة بالصورة نفسها، بل قد تعود من خلال تفلّت السلاح، ومرور المتفجّرات، والعجز عن محاسبة المسؤولين.
فمن شحنات المتفجرات المضبوطة في ضهر البيدر، إلى المسار الممتد بين القصر والهرمل، وقبلهما شاحنة الكحالة، تتراكم الوقائع التي لا يجوز للدولة أن تتعامل معها كحوادث منفصلة ولا أن تختزلها في بيانات ضبط وتحقيق: فمن ينقل السلاح والمتفجرات؟ وبغطاء مَن؟ ولأي غاية؟
وفي هذا السياق، أكد مصدر رسمي لـ«نداء الوطن» أن الجيش والقوى الأمنية في حالة استنفار دائم، مشيرًا إلى أن استمرار ضبط المتفجّرات دليل على ذلك، ومشدّدًا على أنه لن يكون هناك أي تهاون في هذا الموضوع أو أي لفلفة للملف. وأوضح أن الجميع ينتظر انتهاء التحقيقات، التي تتركّز على فرضيتين: إما أن تكون المتفجّرات معدّة للاستخدام الداخلي، بما في ذلك تنفيذ اغتيالات وزعزعة الأمن، وإما أن تكون معدّة للتهريب إلى بلد آخر. وختم بالتأكيد أن التحقيقات القضائية والأمنية ستكشف ملابسات القضية كاملة.
توازياً حذّر مصدر متابع عبر “نداء الوطن” من أن ضبط شحنة لا يعني بالضرورة اعتراض جميع الشحنات المماثلة، لافتًا إلى احتمال وجود مخازن لم تصل إليها الأجهزة الأمنية بعد، بما فيها مواقع داخل مناطق سكنية مكتظة في بيروت وضواحيها. والأخطر، وفق هذه المخاوف، احتمال تخزين المتفجرات خارج المناطق المحسوبة على “حزب الله”، في محاولة لتضليل الرقابة الأمنية.
سلام: لا تساهل
ولأنها معركة سيادة قبل أن تكون معركة أمن، رفع رئيس الحكومة نواف سلام سقف الموقف الرسمي، مؤكداً أنه لا تهاون أو تساهل بشأن التحقيق في قضية ضبط أكثر من نصف طن من المواد المتفجرة من نوعَي “تي أن تي” و”سي فور”. وما يضفي على قضية شاحنة المتفجرات بُعداً يتجاوز خطورتها الأمنية هو أن وجهتها كانت منطقة “بيروت الكبرى”، وما يطرحه ذلك من أسئلة عن مدى الالتزام بقرارات الحكومة الرامية إلى تحصين العاصمة وحصر السلاح فيها بالقوى الشرعية وحدها.
ولا ينفصل هذا الموقف عن ضرورة استكمال المسار القضائي حتى النهاية، وقد باشر مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية، التحقيقات فيما طالب وزير العدل عادل نصار بإحالة الملف إلى المجلس العدلي، على أن يطرح المسألة أمام مجلس الوزراء، من دون أن يؤدي ذلك إلى أي تأخير أو عرقلة للتحقيقات.
وفي تطوّر يضيف بعداً آخر إلى القضية، كشف النائب جورج عقيص لـ«نداء الوطن» عن تعرّض 28 كاميرا مراقبة بين شتورا وجلالا والمريجات للتكسير أو التعطيل، مشيراً إلى أنه سبق أن حذّر، قبل أكثر من ستة أشهر، من الاعتداءات التي طالت عدداً منها، من دون أن تفضي التحذيرات إلى معالجة حاسمة.
إبطال جزئي لقانون العفو
وفي مسار قضائي آخر، فتح المجلس الدستوري الباب أمام تنفيذ قانون العفو العام، بعد قرار صدر بالإجماع أمس، قضى بإبطال بعض أحكامه، مع فرض تفسيرات ملزمة تحدّد الجرائم المشمولة به والمستثناة منه.
ويعيد القرار إلى الواجهة ملف الموقوفين الإسلاميين، إذ يتيح القانون استفادة بعضهم من العفو أو تخفيض العقوبات، وإخلاء سبيل من تجاوز توقيفه 12 سنة سجنية من دون صدور حكم بحقه، مع استمرار محاكمته. في المقابل، تبقى جرائم القتل والإرهاب المرتكبة بحق المدنيين والعسكريين، والملفات المحالة إلى المجلس العدلي، خارج العفو. كما استثنى المجلس جميع جرائم الفساد، وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والتعذيب والإخفاء القسري، ووحّد المهلة الزمنية للجرائم المشمولة بالعفو عند الأول من آذار 2026.
لكن الجدل القانوني يتركز على تفسير “التكرار” في جنايات المخدرات، بعدما اشترط المجلس وجود أحكام قضائية مبرمة، لا مجرد ملاحقات متكررة. وهو تفسير يرى منتقدوه أنه قد يسمح لتجار مخدرات تتراكم بحقهم الملاحقات والأحكام الغيابية بالاستفادة من العفو، خلافاً للغاية التي استهدفها المشرّع، وسط التوقف بتحفّظ عند الدور التشريعي المتقدّم الذي لعبه المجلس الدستوري.
- نداء الوطن -






