صدر عن جمعية "العصا البيضاء" مساء اليوم بيانا تناولت فيه مجموعة "المواقف الشعبوية" التي رافقت الحديث عن وجود حالات تسمم محدودة وقع ضحيتها عدد من المواطنين في أحد مطاعم بيروت والذي لم يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة من دون ان يدخل اي منهم الى المستشفى. وهنا نصه:
تتابع جمعية "العصا البيضاء"، المعنية بالدفاع عن صحة المواطن وكرامته، ولا سيما الأشخاص ذوي الإعاقة، ما رافق حادثة التسمّم الغذائي التي أُثيرت أخيراً في أحد مطاعم العاصمة من مواقف وتصريحات نيابية وسياسية سارعت إلى إطلاق الأحكام والدعوات، قبل اكتمال المعطيات التقنية والتحقيقات اللازمة لتحديد المسؤوليات بصورة علمية وقانونية.
ومع كامل الاحترام لمواقع من سارعوا إلى التعليق على ما حدث بلغة بعيدة كل البعد عن منطق العلم ومقتضيات "الوقاية الصحية" فإن اللجوء إلى "الشعبوية" بدلا من التدقيق بكل ما جرى ، والتثبت من سلامة الكلمات والاوصاف المستخدمة ومعناها الدقيق، ان كان الهدف منها حماية صحة المستهلك ورواد مطاعم لبنان خصوا والقطاع السياحي خصوصا، فان بعض المواقف يثير الريبة لما يعكسه من ظواهر غير طبيعية .
وانطلاقا مما تقدم فإن بعض الدعوات مستغربة ولا سيما منها تلك التي دعت إلى تشكيل لجنة وزارية للتحقيق في حادثة التسمّم الغذائي متجاهلة وجود إدارات متخصصة ألقيت عليها مسؤولية التثبت من اي مخالفة. ولا سيما انها اطلقت قبل اكتمال المعطيات الصحية والمخبرية والتحقيقات الجارية حول منشئها والتثبت من نتائج التحقيقات المتعلقة بمصدر اللحوم، تبدو أقرب إلى إطلاق الأحكام المسبقة منها إلى ممارسة الرقابة المسؤولة.
فالقضية لا تُعالَج بالمبالغة في تصوير المخاطر، ولا باستنفار الوزراء وتشكيل اللجان لمجرد وقوع حادثة أثارت ضجة إعلامية تجاوزت حدودها لاسباب قد تكون قد دبرت في ليل اسود لاستهداف مؤسسات ناجحة لم ترتكب خطأ في حياتها. بل تبدأ بتحديد الوقائع، وفحص العينات، ومعرفة مصدر الخلل، وتحديد المسؤوليات استناداً إلى نتائج علمية موثوقة، لا إلى الانطباعات أو الروايات المتداولة.
والأكثر خطورة هو التعامل مع مطعم بعينه وكأنّ مسؤوليته أصبحت محسومة، فيما لا تزال الأسئلة الأساسية مطروحة حول مصدر اللحوم، والجهة المورّدة، والمسؤولية الفعلية عن أي خلل قد تثبته التحقيقات. فإذا كانت الشبهات تتصل بسلسلة التوريد، فهل يكفي التركيز على المطعم الذي ظهرت فيه الحالات، أم أن الواجب يقتضي تتبّع مصدر اللحوم والتحقيق في الجهات التي تتولى توريدها وتوزيعها على عدد من المطاعم؟
أما الحديث عن احتمال وقوع مئات الضحايا، فهو خطاب تهويلي لا يخدم الحقيقة، ولا يعوّض عن غياب الأدلة. فالمسؤولية لا تُحدَّد بحجم المخاوف التي تُثار، بل بما تثبته الفحوص والتحقيقات.
وبالتأكيد، لا أحد يعترض على دراسة واقع المسالخ أو تحسين الرقابة الصحية، لكن تحويل حادثة محددة إلى مناسبة لإطلاق دعوات عامة وتشكيل لجان وزارية، من دون التمييز بين ما ثبت وما لا يزال قيد التحقق، لا يقدّم حلاً بحد ذاته، ولا يضمن محاسبة المسؤول الحقيقي.
كان الأجدى بمن اطلق بعض المواقف المثيرة للاستغراب أن ينتظر اكتمال النتائج، وأن يطالب بكشف مصدر اللحوم وتحديد المسؤوليات على امتداد سلسلة التوريد، بدلاً من توسيع دائرة الاتهام وإطلاق استنتاجات قبل استكمال التحقيق.
إنّ حماية صحة المواطنين لا تكون بتوزيع الاتهامات، ولا بالمزايدات على حساب سمعة المؤسسات، بل بالعلم والدليل والمحاسبة العادلة. فكما أنّ من يثبت تورّطه يجب أن يُحاسَب بلا تهاون، فإنّ من يتسرّع في إصدار الأحكام عليه أن يدرك أنّ سمعة المؤسسات وأرزاق العاملين فيها ليست تفصيلاً يمكن التضحية به تحت ضغط الضجة الإعلامية.
المطلوب اليوم ليس مزيداً من التصريحات، بل نتائج واضحة، وأدلة موثّقة، ومحاسبة تطال المسؤول الفعلي، أياً يكن موقعه، من دون استثناء أو استعراض سياسي.
9:06 PM
متفرقات






