المركزية- اكد رئيس كتلة "المستقبل" الرئيس فؤاد السنيورة "اننا وبعد عقود عدة حافلة بالأحداث السارة في بعض منها والمحزنة في بعضِها الآخر ما زلنا صامدين ونصرّ على الاستمرار في مسارات تحقيق النهوض الثقافي اللبناني والعربي"، وشدد على "ضرورة العودة الى المبادئ والأسس، إلى المرتكزات في المحن، إلى الملح الذي نملّح به خبزنا حيث ليس لنا في مواجهتها على المستوى العربي إلا التأكيد على فكرة العروبة الديموقراطية الجامعة والمستنيرة والمتقبلة والمحتضنة للآخر المختلف".
كلام الرئيس السنيورة جاء في كلمة ألقاها خلال افتتاح المعرض العربي الدولي للكتاب في "بيال" ممثلا رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري. وبعدما نقل تحيات الرئيس الحريري الذي حالت ظروف وجوده خارج لبنان دون مشاركتكم الاحتفال اليوم بهذا العرس السنوي للكتاب"، ذكّر "باننا كنا نمتدح بيروت باعتبارها امّ الشرائع، ولوجود اول مدرسة للحقوق فيها، ومن جوارها انشئت اول مطبعة في الشرق، ونحن منذ قرابة القرن ونصف القرن، نذكر لبيروت جامعاتها ومدارسها والنهوض الثقافي فيها المستند إلى اجواء الانفتاح والحريات التي تتميز بها والتي من اهم مظاهرها هذه الكثرة المستنيرة من مثقفيها ومفكريها، والذين تنشر لهم دور نشر بالعربية والفرنسية والانجليزية ولغات حية اخرى".
وقال "لقد صنعت بيروت النادي الثقافي العربي وصنع هذا النادي العريق معرض الكتاب العربي والدولي الذي اصبح يؤازره في ذلك اتحاد الناشرين. وعندما نهض النادي الثقافي العربي بأعباء معرض الكتاب في الخمسينات من القرن الماضي، فإن ذلك كان بُشرى للكثير من اللبنانيين والعرب بالنهوض الكبير الذي يعتزم اللبنانيون اجتراحه والسير فيه لاستنهاض الوطن والأمة. وبناءً على ذلك، فقد اقبلت سائر فئات اللبنانيين والعرب على التنافس البنّاء في بيروت بالحرية والتقدم والإبداع والمثابرة. وها نحن وبعد عقود عدة حافلة بالأحداث السارة في بعض منها والمحزنة في بعضِها الآخر مازلنا صامدين ونصِر على الاستمرار على مسارات تحقيق النهوض الثقافي اللبناني والعربي. وها قد صار الناشرون مئات بعد ان كانوا عشرات، وصارت بيروت إلى جانب القاهرة، الجناحين اللذين لا تطير الثقافة العربية إلا بهما، هذا إلى جانب محاولات جديدة واعدة من عواصم عربية اخرى. والأمل سيبقى كبيراً في عودة دمشق وبغداد لتلعب كل منها دورها الطليعي في المجال الثقافي في المشرق العربي".
واشار الرئيس السنيورة الى "مشكلات عدة تواجه الثقافة العربية والكتاب العربي. ومن اهم تلك المشكلات القلة النسبية للقرّاء، وصعوبات تصدير الكتاب وانتقاله بين الأسواق والبلدان العربية، وقلّة الاستثمارات في تطوير صناعة الكتاب. بيد ان المشكلتين الأكبر هما: اولا، استيلاء وسائل التواصل الاجتماعي على اهتمامات شبابنا وشاباتنا، بحيث تراجعت اقدار الكتاب الورقي وازداد قراؤه قلة. وثانياً، عدم ظهور النهوض العربي الكافي في ظل الأزمات والنزاعات والصراعات المتناسلة في اكثر من بلد عربي والتي تحرفنا عما ينبغي ان تكون عليه بوصلة اهتماماتنا، وبوصلة مصالحنا المستقبلية، وتمنعنا من الاستجابة المقدّرة في تحقيق التلاؤم مع حركة العالم، ومواكبة متطلباته، ومواجهة إرغاماته. كما وعدم التلاؤم بالشكل الكافي مع ما تحتاجه مجتمعاتنا واجيالنا الشابة وتحتاجه اقتصادات دولنا العربية. كذلك فإننا نشكو في السياق ذاته من عدم وجود فئات عربية مثقفة عريضة، تمضي في اجتراح النهوض العربي الجديد".
وتابع "ان وسائل التواصل الاجتماعي لا بد من التلاؤم معها بإكسابها مستوى ثقافياً معقولاً، والخروج بالتدريج من حالة الفضول، رغم اهمية كونها مجالاً واسعاً للتسلية وتحفل بالإمكانيات التي تتيحها الضرورة لاستعمالها، إلى ما يؤدي إلى استنهاض افعل للجهود للمشاركة في صنع ما هو مُفيد في شكل اكبر ثقافياً ومعرفياً وعلمياً لمجتمعاتنا واقتصاداتنا ولأجيالنا الشابة. اما مشكلة التضاؤل الثقافي، فلا تحلّها إلا إرادة نهضوية لا تأبه للصعاب وتتحدى إرغاماتها، وتقبل على صنع الجديد والمتقدم برغم صعوبة الظروف التي نمرّ بها. وسائل التواصل الاجتماعي لا تغني عن الكتاب، لكنها تُحدد فئات القراء والقراءة. اما الأمر الجلل الذي يُنقذ الكتاب وصناعته وانتشاره فهو الكتاب ذو النوعية الجيدة والعالية في المناهج والموضوعات، وسواءٌ اكان اكاديميا او مدرسيا او إبداعيا او ثقافيا او علميا، ذلك لأنه يستشرف الآفاق، ويُبشّر بالجديد والمتقدم ويعمل على تطويره مناهج وإنتاجاً جديدين".
وشدد على "اهمية العمل الجاد والمُثمر على تعزيز الجهود الحكومية، كذلك من قبل المجتمع المدني لاستعادة النهوض الوطني والتأكيد على تعزيز التميز العلمي والثقافي والتشجيع على العلم والابتكار ومكافأته لتحفيز الآخرين على سلوك ذات الطريق، وايضاً للتشجيع على التعلم المستمر لدى مختلف الفئات العمرية لحفز عملية التلاؤم المستمر مع التطورات والتحولات".
واعتبر "ان في المِحَن ينبغي العودة إلى المبادئ والأسس، إلى المرتكزات، إلى الملح الذي نملّح به خبزنا، حيث ليس لنا في مواجهتها على المستوى العربي إلا التأكيد على فكرة العروبة الديموقراطية الجامعة والمستنيرة والمتقبلة والمحتضنة للآخر المختلف، ولو اختلف هذا الآخر بالمعتقد والعرق والفكر والدين والمذهب، لأن علينا الاعتراف بهذه الفروق والاستفادة من هذا الثراء الذي يؤمّنه ويُضفيه هذا التنوع وهذا الاختلاف من ضمن الوحدة"، لافتاً الى "ان علينا ان نُحقّق هذا النهوض من اجل ان نواجه آفات التعصب والتشدد والمذهبية والعنصرية ونتغلب عليها، ولا يكون ذلك إلا بالعودة للعروبة المدنية التي تجمع ولا تُفرّق وتحضُن ولا تُحاصر. العروبةُ التي لا تستسلم للخوف او الانطواء بل تحض على الانفتاح من اجل إطلاق الجديد واستيلاد الفرص من التنوع ومن رحم المشكلات، كذلك الاستفادة من فضيلة التسامح، كذلك الاحتضان لجميع مكوّنات مجتمعاتنا. العروبة القادرة على استعادة دورها فكرةً نهضويةً إصلاحيةً تبني على المشتركات ولا تُهمِل ولا تتجاهل الفروق بين دولنا وشعوبنا العربية. عروبة نبنيها على التكامل وعلى العيش المشترك والمصالح المشتركة بين تلك الدول والشعوب. عروبة لا يجري توظيفها لخدمة دين او مذهب او حزب. عروبة حضارية تتسع لمفاهيم التنوع والانفتاح على الثقافات الأخرى وتحتضن قيم الديموقراطية واحترام حقوق الإنسان".
وختم السنيورة "إذا كنت أثني على الناشرين اللبنانيين ونقابتهم الذين يتعاونون مع المؤلفين اللبنانيين والعرب في إنتاج النص الجيد الورقي وغير الورقي، فمن الحقّ الثناء على الجهود المستمرة للإخوة في النادي الثقافي العربي من اجل حفز جهود التحديث والتطوير المستمرين في هذا المعرض السنوي، كذلك في جهود النادي الثقافية الأخرى. هذا النادي الذي اعتزّ بالانتماء إليه وبرئاسته في فترة ماضية. واعتزّ ايضاً بهذا المعرض السنوي الذي يُقيمه النادي والذي هو عميد المعارض العربية للكتاب، كذلك بالنشاطات الأخرى التي يقوم بها النادي والذي يتحوّل بجهوده هذه إلى منتدى للقراءة وصنع الثقافة بشتى الصيغ والأشكال. نحن محتاجون لهذه الجهود كلها، وللمؤسسات التي تهتم بثقافة الشباب ولغتهم، لكي نستطيع النظر في عيون ابنائنا وبناتنا بثقة وامل وتفاؤل بمستقبلٍ يرتفع مناره بالعلم النافع، والثقافة الحرّة والمستنيرة، والأوطان القوية والآمنة والديموقراطية والمستقرة".






