احتفل صاحب الغبطة والنيافة البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي بالقداس الإلهي، عند الساعة العاشرة من صباح اليوم الأحد الأول من تشرين الثاني 2026، في الصرح البطريركي في بكركي، لمناسبة أحد تقديس البيعة وافتتاح السنة الطقسية المارونية الجديدة.
عاون غبطته في القداس المطران أنطوان عوكر، النائب البطريركي العام في بكركي، والمطران أنطوان شربل طربيه، راعي أبرشية أستراليا المارونية، والمونسنيور الياس عدس النائب العام في ابرشية حلب ، والأب فادي تابت، أمين السر العام للبطريركية المارونية، والخوري كميليو مخايل، أمين السر الخاص لصاحب الغبطة.
وبعد تلاوة الإنجيل المقدس، ألقى البطريرك الراعي عظة بعنوان «أنت هو المسيح ابن الله الحي» (متى 16: 16)**، تناول فيها المعاني الروحية لأحد تقديس البيعة، متوقفًا بصورة خاصة عند الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية التي يمر بها لبنان، ومحذرًا من خطر الانجرار إلى حرب جديدة، ومؤكدًا ضرورة حصر قرار الحرب والسلم والسلاح بيد الدولة ومؤسساتها الشرعية، وحماية الأرض اللبنانية من البيع، وصون حقوق المواطنين في مواجهة الغلاء والأعباء المعيشية.
الراعي: اللبنانيون لا يحتملون حربًا جديدة
وفي الشق الوطني من عظته، حذر البطريرك الراعي من خطورة المرحلة التي يمر بها لبنان في ظل التوترات الإقليمية والاحتمالات المفتوحة على التصعيد، معتبرًا أن تجنيب لبنان خطر الانجرار إلى حرب جديدة يشكل اليوم مسؤولية وطنية كبرى.
وأكد غبطته أن الحفاظ على لبنان، بعيدًا عن حروب تتخطى حدوده ومصالح شعبه، أصبح قضية وطنية بحد ذاتها، مشددًا على أن اللبنانيين لا يحتملون حربًا جديدة، وأنهم يريدون السلام الذي يصون كرامة الإنسان ويحفظ سيادة الوطن، ويرفضون الحرب التي لا تخلّف إلا الدمار والتهجير والمآسي.
وقال: «إن قرار الحرب والسلم مسؤولية وطنية لا تحتمل تعدد المرجعيات، لأن مصير اللبنانيين لا يمكن أن يكون خاضعًا لقرارات متفرقة».
وشدد على أن «وحدة القرار، وحصر السلاح بيد الدولة ومؤسساتها الشرعية، هما من مقومات السيادة والاستقرار، ومن الضمانات الأساسية لحماية الوطن وأبنائه».
التحذير من تهريب الأسلحة وتهديد الأمن الداخلي
وتطرق البطريرك الراعي إلى ملف الحدود وحماية الداخل، محذرًا من تكرار محاولات تهريب الأسلحة، ومنها ما يحصل بواسطة شاحنات عبر ضهر البيدر، معتبرًا أنها تشكل تهديدًا للسلم الأهلي ولسلامة المواطنين والأمن والاستقرار.
وأكد في هذا السياق أهمية حماية الحدود وتعزيز سلطة الدولة ومؤسساتها الشرعية، بما يحفظ الأمن الداخلي ويحول دون تعريض لبنان لمزيد من الأخطار.
الأرض اللبنانية إرث الآباء والأجداد وليست للبيع
وفي ملف شراء الأراضي، حذر البطريرك الراعي من تنامي هذه الظاهرة بواسطة سماسرة يستغلون الوضع الاقتصادي الصعب، مؤكدًا أن الأرض ليست مجرد سلعة تجارية، بل عطية من الله ومساحة للعيش الحر الكريم، والشهادة الصادقة للمسيح، والتفاعل الإنساني السليم في العيش المشترك.
وشدد على وجوب المحافظة على ملكية الأرض وعدم بيعها، لأنها إرث من الآباء والأجداد، ووديعة ثمينة وذخيرة مقدسة، ومكوّن أساسي للهوية التاريخية والاجتماعية والسياسية.
ودعا إلى الحفاظ على الأرض واستثمارها بشتى الطرق، ما عدا بيعها، في موقف يؤكد أهمية صون ارتباط اللبنانيين بأرضهم، وعدم السماح للضائقة الاقتصادية بأن تتحول إلى سبب للتخلي عنها.
الغلاء والضرائب: المواطن ليس الحلقة الأضعف
وتوقف غبطته عند تفاقم الأزمة المعيشية، مشيرًا إلى أن اللبنانيين يواجهون ارتفاعًا متواصلًا في كلفة الحياة والخدمات، وضغطًا على الرواتب والقدرة الشرائية، في وقت تتراكم عليهم الضرائب والرسوم والأعباء.
وأكد أن الدولة لا تُقاس بما تستوفيه من المواطنين، بل بما تقدمه لهم من خدمات وعدالة وحماية، وقال: «إن الدولة تُقاس بما تقدمه للمواطنين من خدمة وعدالة وحماية، لا بما تستوفيه فقط منهم؛ فالمواطن ليس الحلقة الأسهل التي تحمّل دائمًا كلفة التعثر».
لبنان يحتاج إلى قانون واحد وقرار واحد ومؤسسات تعمل
وفي خلاصة مواقفه الوطنية، استعاد البطريرك الراعي صورة الصخرة التي وردت في إنجيل أحد تقديس البيعة، معتبرًا أنها ترمز إلى الأساس الثابت الذي يحتاج إليه لبنان لبناء دولة قادرة على الاستمرار.
وأكد أن لبنان يحتاج إلى قانون واحد، وقرار واحد في القضايا المصيرية، وحدود مصانة، ومؤسسات تعمل، وعدالة لا تجعل المواطن أول من يدفع الثمن وآخر من يحصل على حقه.
وشدد على أن الحياة الوطنية تحتاج إلى ثوابت لا تتبدل مع كل أزمة، تمامًا كما تقوم الكنيسة على صخرة الإيمان والثبات، مؤكدًا أن **«الحقيقة لا تُبنى على المساومة، والسيادة لا تُجزّأ، والمؤسسات لا تستقيم بالاستثناءات، وخدمة الإنسان لا تكون بندًا ثانويًا في حياة الدولة».
أحد تقديس البيعة: الكنيسة تقوم على صخرة الإيمان
وفي القسم الروحي من عظته، أوضح البطريرك الراعي أن الكنيسة المارونية تحتفل بأحد تقديس البيعة وافتتاح السنة الطقسية الجديدة، مستمدة من المسيح النور والنعمة والحياة.
وتوقف عند اعتراف بطرس بالمسيح ابن الله الحي، مؤكدًا أن هذا الاعتراف هو أساس الإيمان الذي تقوم عليه الكنيسة، وأن المسيح يبقى حاضرًا فيها رغم المحن والاضطهادات.
كما دعا المؤمنين إلى تجديد إيمانهم والنمو في القداسة والمحبة والرجاء، موضحًا أن قداسة الكنيسة لا تعني خلو أبنائها من الخطيئة، بل دعوتهم الدائمة إلى التوبة والغفران والتجدد الروحي.
الراعي ينعى الخوري سمير ضو ويطالب بإجراء العدالة كاملة
وفي مستهل عظته، توقف البطريرك الراعي عند مقتل الخوري سمير ضو، أحد كهنة أبرشية جبيل المارونية، معربًا عن ألمه وحزنه لهذه الفاجعة.
وتقدم بالتعازي من راعي الأبرشية المطران ميشال عون، وكهنة الأبرشية وعائلة الكاهن الراحل، وسائر المؤمنين والمؤمنات الذين يجتمعون للصلاة لراحة نفسه.
وأكد غبطته انضمامه إليهم بالصلاة والمواساة الشديدة، مطالبًا بإجراء العدالة كاملة في هذه القضية.
واختتم البطريرك الراعي عظته بالصلاة من أجل أن تكون السنة الطقسية الجديدة زمنًا لتجديد الإيمان وتقديس الحياة، وأن ينعم لبنان بالسلام والاستقرار، في ظل دولة تحفظ سيادتها، وتصون أرضها، وتحمي مواطنيها، وتقوم على العدالة والقانون والمؤسسات.






