خاص
المركزية - تتقدّم الدبلوماسيّة الفاتيكانيّة في مرحلةٍ تتكاثف فيها الصراعات الجيو-سياسيّة، وتبرز فيها ضرورة استعادة الدولة الوطنيّة بوصفها ضمانةً للسيادة والكرامة الإنسانيّة والسلام. ومن أوكرانيا إلى فلسطين والشرق الأوسط وصولًا إلى لبنان، تتبلور استمراريّةٌ مؤسّسيّةٌ بين البابا فرنسيس والبابا لاوون الرابع عشر، تتجاوز تبدّل الأشخاص إلى ثبات المبادئ وتراكم المواقف.
في هذا التحقيق، يُقدّم الدكتور زياد الصّائغ، المدير التنفيذيّ لملتقى التأثير المدنيّ، قراءةً لهذا المسار، محذّرًا، عبر "المركزية"، من التأويلات التي تختزل الدبلوماسيّة الرسوليّة في وساطاتٍ مفترضة ومقايضاتٍ إقليميّة، ومن المواكبة السطحيّة التي تغفل طبيعة عملها المؤسّسيّ.
■ كيف تقرأون الانتقال من دبلوماسيّة البابا فرنسيس إلى دبلوماسيّة البابا لاوون الرابع عشر؟
الصّائغ: نحن أمام استمراريّةٍ في المبادئ وتطوّرٍ في المقاربة. لقد جعل البابا فرنسيس من الأخوّة الإنسانيّة وثقافة اللقاء مرتكزَين لممارسةٍ دبلوماسيّةٍ تربط السلام بحماية الإنسان من العنف والإقصاء، فيما يواصل البابا لاوون الرابع عشر هذا المسار، مع التشديد على العدالة والحقيقة والقانون الدوليّ. إنّ وحدة الرؤية الرسوليّة تتجلّى في الدفاع عن كرامة الإنسان وسيادة الدول، وفي رفض تحويل الحوار إلى غطاءٍ لسياسات الهيمنة أو الاعتداء.
■ لكنّ بعض القراءات تعتبر الانفتاح الفاتيكانيّ على موسكو تفهّمًا للموقف الروسيّ. كيف تردّون؟
الصّائغ: هذا خلطٌ بين الوسيلة الدبلوماسيّة والموقف المبدئيّ. عندما زار البابا فرنسيس السفارة الروسيّة لدى الكرسيّ الرسوليّ في شباط 2022، كان يسعى إلى وقف الحرب، ولم تكن زيارته اعترافًا بشرعيّة الاعتداء الروسيّ على أوكرانيا. لا يجوز تفسير الحوار باعتباره انحيازًا إلى روسيا، أو تفهّمًا لانتهاك سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها.
وفي هذا السياق، تكتسب اللقاءات المتكرّرة للرئيس الأوكرانيّ فولوديمير زيلينسكي مع البابا فرنسيس، ثمّ مع البابا لاوون الرابع عشر، دلالةً سياسيّةً ودبلوماسيّةً بالغة الأهميّة. فقد استقبل فرنسيس الرئيس الأوكرانيّ في أيّار 2023، والتقاه مجدّدًا في حزيران 2024 على هامش قمّة مجموعة الدول السبع، ثمّ في الفاتيكان في تشرين الأوّل من العام نفسه. واستمرّ هذا التواصل في حبريّة لاوون الرابع عشر، الذي التقى زيلينسكي في أيّار وتمّوز وكانون الأوّل 2025. وهذه الاستمراريّة، بما رافقها من لقاءاتٍ مع الكاردينال بييترو بارولين ورئيس الأساقفة بول ريتشارد غالاغر، تؤكّد أنّ القضيّة الأوكرانيّة حاضرةٌ في صلب الاهتمام الدبلوماسيّ للكرسيّ الرسوليّ، وأنّ التواصل مع موسكو لم يُلغِ العلاقة المباشرة مع كييف أو الالتزام بالسعي إلى سلامٍ عادلٍ ودائم.
وقد شكّلت زيارة الكاردينال بارولين إلى أوكرانيا ولقاؤه الرئيس زيلينسكي في تمّوز 2024 تعبيرًا إضافيًّا عن هذه المواكبة المؤسّسيّة، التي تتجاوز الاتّصالات البروتوكوليّة إلى متابعة القضايا الإنسانيّة والسياسيّة، وفي مقدّمها حماية المدنيّين، وإعادة الأطفال الأوكرانيّين المُبعَدين، وتحرير الأسرى، وصون سيادة الدولة الأوكرانيّة ووحدة أراضيها.
إنّ حقوق الشعب الأوكرانيّ، وسيادة دولته، ورفض فرض الوقائع بالقوّة، تشكّل مرجعيّاتٍ أساسيّةً للسلام العادل. وقد اتّخذت تصريحات البابا فرنسيس بشأن الحرب صيغًا مختلفة أثارت أحيانًا جدلًا، لكنّ ذلك لا يُجيز استنتاج وجود تأييدٍ فاتيكانيّ للعدوان. وأقرأ في دعوات البابا لاوون الرابع عشر إلى سلامٍ عادلٍ ودائم، وفي استمراريّة لقائه القيادة الأوكرانيّة، تأكيدًا على أنّ الحوار الدبلوماسيّ لا يمنح شرعيّةً للاعتداء، وأنّ السلام المستدام يقتضي احترام سيادة الدول وحقوق شعوبها، بعيدًا عن منطق فرض التسويات بالقوّة أو مكافأة المعتدي.
■ كيف تقرأون المقاربة الجيو-سياسيّة الفاتيكانيّة للشرق الأوسط في ظلّ تقدُّم مفهوم الدولة الوطنيّة؟
الصّائغ: إنّ الدبلوماسيّة الفاتيكانيّة تتجاوز حماية المسيحيّين وإدارة الحوار بين الأديان إلى رؤيةٍ حضاريّةٍ تُعلي قيمة الدولة الوطنيّة السيّدة، باعتبارها الإطار الدستوريّ لحماية التعدّديّة والمواطنة المتساوية. وفي هذا السياق، تكتسب زيارة البابا فرنسيس إلى العراق ولقاؤه المرجع السيّد علي السيستاني عام 2021 دلالتهما، بوصفهما تعبيرًا عن إمكانيّة التلاقي بين المرجعيّات الدينيّة حول كرامة الإنسان والعيش المشترك، بعيدًا عن توظيف الدين في مشاريع النفوذ السياسيّ. وأرى أنّ لاوون الرابع عشر يواصل هذا المسار الذي يربط السلام بالسيادة والعدالة والمسؤوليّة المؤسّسيّة.
■ أين تتموضع القضيّة الفلسطينيّة في هذه الرؤية؟
الصّائغ: فلسطين اختبارٌ أساسيٌّ لمصداقيّة النظام الدوليّ وقدرته على حماية الحقوق الوطنيّة المشروعة. لقد دافع البابا فرنسيس عن حماية المدنيّين وحلّ الدولتين، ويواصل لاوون الرابع عشر التأكيد على السلام والعدالة. إنّ قيام دولةٍ فلسطينيّةٍ قابلةٍ للحياة، وضمان أمن دولة إسرائيل، ورفض استهداف المدنيّين والتهجير، عناصر مترابطة في أيّ تسويةٍ مستدامة. فالدولة الوطنيّة تبقى الإطار القانونيّ والسياسيّ لتحويل الحقوق إلى ضماناتٍ مؤسّسيّة.
■ ماذا تعني هذه الثوابت بالنسبة إلى القضيّة اللبنانيّة؟
الصّائغ: أرى ثلاثة مرتكزاتٍ مترابطة: استعادة السيادة وحصريّة السلاح وقرار السِّلم والحرب بيد الدولة، والعودة إلى الدستور لبناء دولة المواطنة الحاضنة للتنوّع والمتساوية في الحقوق والواجبات؛ وتحييد لبنان عن الصراعات الإقليميّة؛ وحماية استقلاليّة المسار اللبنانيّ–الإسرائيليّ برعايةٍ أميركيّة، بما يضمن معالجة القضايا العالقة واستكمال الانسحاب الإسرائيليّ وترسيخ الاستقرار.
إنّ لبنان دولةٌ ذات سيادة، وقضيّته لا يجوز أن تتحوّل إلى ورقةٍ تفاوضيّةٍ ضمن ملفّاتٍ إقليميّةٍ أخرى. والمطلوب تحويل الحياد الإيجابيّ إلى مُعطًى دستوريّ يكرّس هذا الخيار.
■ لكنّ الحديث يتكرّر عن وساطاتٍ فاتيكانيّة مع إيران وربط لبنان بمفاوضات إسلام آباد. كيف تقرأون ذلك؟
الصّائغ: أعتبر أنّ هذا الكلام، في غياب معطياتٍ موثوقة، غير مفيدٍ وخارجٌ عن سياق فهم الدبلوماسيّة الفاتيكانيّة وطبيعة عملها. فلا يجوز تحويل الاتّصالات الدبلوماسيّة إلى وساطاتٍ مفترضة، أو ربط القضيّة اللبنانيّة بمساراتٍ تفاوضيّةٍ إقليميّة لا تنتمي إلى أولويّاتها السياديّة.
إنّ الافتعال الفولكلوريّ الذي يُرافق أحيانًا مقاربة الدبلوماسيّة الفاتيكانيّة يكشف غياب فهمٍ عميقٍ لطبيعة عملها، ولمنهجيّتها المؤسّسيّة، وللمسار التراكميّ الذي يحكم خياراتها. فالمواكبة السطحيّة التي تستند إلى معطياتٍ متناثرةٍ ومصادر متفرّقةٍ من هنا وهناك، وتبني عليها استنتاجاتٍ متسرّعةً حول وساطاتٍ وتسوياتٍ ومقايضاتٍ جيو-سياسيّة، تُفضي إلى قراءةٍ مجتزأةٍ لا تلج إلى عمق ما تقوم به هذه الدبلوماسيّة، ولا تُدرك الفارق بين التواصل والحوار والوساطة، وبين المبادئ الثابتة والأدوات الدبلوماسيّة المتغيّرة.
الدبلوماسيّة الفاتيكانيّة تعمل بهدوءٍ وتراكمٍ وصبرٍ استراتيجيّ، ولا تُقاس فعاليّتها بضجيج التصريحات أو الاستعراض الإعلاميّ. ومن هنا، فإنّ ربط لبنان بإسلام آباد، أو الحديث عن وساطاتٍ مفترضة مع النظام الإيرانيّ، من دون أدلّةٍ واضحة، يعكس خللًا في منهجيّة قراءة هذا المسار، أكثر ممّا يكشف عن حقيقة توجّهاته. إنّ جوهر المقاربة التي أقرأها يتمثّل في تغليب مشروع الدولة الوطنيّة السيّدة على مشاريع النفوذ العابرة للحدود، وإعادة الاعتبار إلى الدولة اللبنانيّة بوصفها المرجعيّة الحصريّة للقرار السياديّ، بعيدًا عن أيّ استتباعٍ أو مقايضة.
■ كيف تقرأون أخيرًا حركة الكاردينال بييترو بارولين ورئيس الأساقفة بول ريتشارد غالاغر وانعكاسها على لبنان؟
الصّائغ: هنا تتجلّى الاستمراريّة المؤسّسيّة بين حبريّتَي فرنسيس ولاوون الرابع عشر. فصاحب الغبطة الكاردينال بييترو بارولين، أمين سرّ دولة حاضرة الفاتيكان، يُجسّد خبرةً دبلوماسيّةً عميقةً في وصل المبادئ الأخلاقيّة بالواقعيّة السياسيّة. أمّا سيادة رئيس الأساقفة بول ريتشارد غالاغر، أمين سرّ العلاقات مع الدول والمنظّمات الدوليّة، فيضطلع بدورٍ محوريٍّ في متابعة العلاقات الدوليّة والملفّات الإقليميّة الحسّاسة.
وفي هذا الإطار، تكتسب زيارة السفير سيمون كرم إلى الفاتيكان، ولقاؤه الكاردينال بارولين، دلالةً خاصّةً في سياق مواكبة المسار التفاوضيّ اللبنانيّ–الإسرائيليّ، ولا سيّما في ضوء المعلومات الصحفيّة التي أشارت إلى أنّ اللقاء جاء بطلبٍ فاتيكانيّ. وأقرأ في هذه الخطوة تعبيرًا عن اهتمام الكرسيّ الرسوليّ بدعم هذا المسار وتوفير المناخ الدبلوماسيّ الملائم لنجاحه، مع التأكيد على استقلاليّته عن المفاوضات الإقليميّة الأخرى، ورفض تحويل القضيّة اللبنانيّة إلى ورقةٍ ضمن مقايضاتٍ جيو-سياسيّة. فالدعم الفاتيكانيّ لهذا التوجّه ينسجم مع ثوابت الدبلوماسيّة الرسوليّة في حماية سيادة الدول، واحترام القانون الدوليّ، وتغليب الحلول السياسيّة التي تصون كرامة الإنسان وتؤسّس لسلامٍ عادلٍ ومستدام.
وهنا ينبغي التمييز بين المواكبة الدبلوماسيّة والوساطة التفاوضيّة المباشرة، وبين دعم مسارٍ سياديٍّ مستقلٍّ وافتراض ترتيباتٍ إقليميّةٍ غير معلنة. إنّ المسار اللبنانيّ–الإسرائيليّ، برعايةٍ أميركيّة، يجب أن يبقى مرتبطًا حصرًا بمصالح الدولة اللبنانيّة وسيادتها، وباستكمال الانسحاب الإسرائيليّ، ومعالجة القضايا العالقة، وترسيخ الاستقرار، بعيدًا عن ربطه بالمفاوضات مع إيران أو بأيّ مساراتٍ أخرى.
إنّ حركة بارولين وغالاغر لا تُقرأ بعدد اللقاءات أو الصور أو التصريحات، بل بتراكم المواقف واستمراريّة الالتزام بالمبادئ. وأقرأ في مواكبتهما للقضيّة اللبنانيّة اهتمامًا باستعادة الدولة الدستوريّة وسيادتها، وبحماية لبنان من الاستتباع والصراعات الإقليميّة، مع التأكيد أنّ هذه قراءةٌ تحليليّةٌ لاتّجاه الدبلوماسيّة الرسوليّة، وليست إعلانًا عن ترتيباتٍ تفاوضيّةٍ غير معلنة.
من فرنسيس إلى لاوون الرابع عشر، مرورًا ببارولين وغالاغر، يبقى المعيار حماية سيادة الدول وكرامة الإنسان. أمّا لبنان، فالتحدّي أمامه أن ينتقل من انتظار الوساطات إلى فعل الدولة، ومن إدارة الازدواجيّة إلى استعادة القرار السياديّ، ومن الحياد بوصفه شعارًا إلى الحياد الإيجابيّ بوصفه خيارًا دستوريًّا واستراتيجيًّا.






