تجاوزت الانتخابات النصفية الأميركية حسابات التبدّل الدوري في الأكثرية داخل الكونغرس، وشكّلت انقلاباً سياسياً واسعاً في موازين القوى. فقد انتزع الحزب الديموقراطي السيطرة على مجلسَي النواب والشيوخ، وحقق اختراقات لافتة في ولايات كانت تُعدّ "معاقل جمهورية"، فيما سجل مرشحون شباب من اليسار ويسار الوسط، ومن أصول عربية وإفريقية، انتصارات تاريخية. وكانت النتيجة رسالة رفض واضحة لسياسات الرئيس دونالد ترامب في الداخل والخارج، وإنذاراً بأن المزاج الأميركي الذي أوصله إلى البيت الأبيض قبل عامين بدأ ينقلب عليه.
وفي قلب هذا التحول برزت العلاقة مع إسرائيل كواحدة من أكثر القضايا حساسية. فلم يكن إعلان ترامب، عشية الانتخابات، وقف نحو أربعة مليارات دولار من المساعدات العسكرية السنوية للدولة العبرية مع نهاية العام مجرد قرار مالي مفاجئ، بل اعترافاً سياسياً متأخراً بأن إسرائيل تحوّلت من رصيد انتخابي مضمون، إلى عبء ثقيل حتى على أشد حلفائها في واشنطن.
أدرك ترامب أن الناخب الأميركي لم يعد يقبل بسهولة اقتطاع المليارات من أموال دافعي الضرائب لتمويل حروب بنيامين نتنياهو، فيما يواجه الداخل الغلاء وتراجع الخدمات واتساع الفوارق الاجتماعية. وحاول سحب هذه الورقة من أيدي خصومه الديموقراطيين، لكن محاولته جاءت بعد فوات الأوان.
التحول الأعمق لم يبدأ في البيت الأبيض، بل في الشارع والجامعات وصناديق الاقتراع. صور الدمار في غزة، وسياسات القتل والاستيطان في الضفة الغربية، والاعتداءات المتواصلة على لبنان، أسقطت الرواية التي قدّمت السلاح الأميركي باعتباره وسيلة للدفاع عن إسرائيل. وبات قطاع واسع من الأميركيين يرى أنه يُستخدم في قتل المدنيين، وارتكاب انتهاكات ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية، بما يجعل واشنطن شريكاً سياسياً وأخلاقياً في نتائجها.
وجاء فوز مرشحين ديموقراطيين من أصول عربية وإفريقية، وصعود جيل شاب من التقدميين، تعبيراً عن الاعتراض على هيمنة جماعات الضغط، وتقديم مصالح حكومة أجنبية على حاجات المواطن الأميركي. واكتسب فوز عبد الرحمن السيد(عبدول) في ميشيغان، كأول مسلم يدخل مجلس الشيوخ، دلالة سياسية استثنائية.
أما خسارة الجمهوريين الأكثرية في المجلسين، فلم تسلب ترامب صلاحياته التنفيذية، لكنها جعلته أقرب سياسياً إلى "بطة عرجاء"، حسب المصطلح الأميركي، تواجه "مجلسا"معارضاً قادراً على تعطيل مشاريعه ومحاسبة إدارته.
طبعاً هذه الانتخابات لا تعني نهاية التحالف الأميركي ــ الإسرائيلي، لكنها تؤكد أن زمن الدعم المفتوح بلا مساءلة يتصدّع. والسياسات المدمرة لنتنياهو لم تكتفِ بتدمير غزة والضفة ولبنان، بل ورّطت واشنطن في حرب غير مدروسة في إيران، وبدّدت جانباً كبيراً من الرصيد الذي راكمته إسرائيل داخل المجتمع الأميركي لعقود.
إنها بداية التغيير الكبير في أميركا، والذي قد يسبق "التغيير" المنتظر في إسرائيل نفسها.
صلاح سلام - اللواء






