في مدينة متز الفرنسية، وعلى تخوم أوروبا التي تحمل في ذاكرتها آثار الحروب والانقسامات ومشروع الوحدة، سيبلغ المسار الأخير من زيارة البابا لاوون الرابع عشر إلى فرنسا ذروته الروحية والسياسية مع القداس الذي سيحتفل به في كاتدرائية القديس إسطفانوس يوم 28 أيلول الحالي، قبل مغادرته فرنسا عائدًا إلى روما. ويأتي هذا القداس في ختام يوم خصّصه البابا بصورة مباشرة لـ “جذور أوروبا من أجل السلام والوحدة”، بعد لقاء بين الأديان ولقاء أوروبي في مركز روبرت شومان.
وفي هذا السياق، تكتسب نبوءة أشعيا عن لبنان، الواردة في الفصل التاسع والعشرين والتي ستُتلى في القداس، دلالة تتجاوز حدود القراءة الكتابية التقليدية: “في مدة يسيرة جدًّا يتحول لبنان بستانًا، والبستان يُحسب غابة”. والنص، في سياقه الكتابي الأصلي، يأتي ضمن مقطع يتحدث عن التحول والافتقاد والتجدد؛ فالآية التي تليها تفتح صورة أخرى عن انكشاف البصيرة ورفع الظلمة عن الإنسان.
لكن أهمية لبنان في المخيال الكتابي لا تتوقف عند الجغرافيا. فلبنان، بما يحمله في الكتاب المقدس من صورة الأرز والخصب والعظمة، يصبح رمزًا لمشهد أوسع؛ حين يتغير الواقع الذي يبدو ثابتًا، وحين يتحول الخراب إلى إمكانية حياة جديدة. ومن هنا يمكن أن تصبح النبوءة، عندما تحضر في الليتورجيا أو في التأمل الذي يحيط بها، جسرًا بالغ القوة بين لبنان وأوروبا: ما الذي يمكن أن يتحول في قارة أنهكتها الحروب والانقسامات والخوف من المستقبل؟
هذه القراءة تكتسب وزنًا إضافيًّا من كلام البابا لاوون الرابع عشر نفسه في لبنان خلال زيارته عام 2025. ففي قداس بيروت، وصف لبنان بأنه أرض ذات جمال نادر، لكنه قال إن هذا الجمال حجبه الفقر والمعاناة والأزمة الاقتصادية والسياق السياسي الهش والعنف والصراعات. ثم رسم أمام اللبنانيين صورة لبنان الذي “تسود فيه السلام والعدالة” ويعترف فيه الجميع ببعضهم إخوة، داعيًا إياه إلى أن يكون “علامة نبوية للسلام” في المشرق.
وهنا تحديدًا يمكن أن تتشكل الرسالة الأوروبية في متز، إذ ليس المطلوب أن يُقدَّم لبنان لأوروبا بوصفه درسًا مثاليًّا، بل بوصفه مرآة. بلد صغير اختبر الانقسام والحرب، ثم ظل يبحث عن صيغة للعيش المشترك، يستطيع أن يذكّر أوروبا بأن السلام ليس غيابًا للحرب، وأن الوحدة لا تعني إلغاء الاختلاف. وهذا ينسجم مع المحاور التي أعلن الفاتيكان أنها ستكون حاضرة في محطة متز، وهي: الوحدة، التنوع، السلام والانفتاح على الثقافات الأخرى.
والمفارقة الأعمق أن البابا القديس يوحنا بولس الثاني سبق أن جعل من هذه الآية بالذات علامة رجاء للبنان. ففي صلاته “ريجينا كايلي” في بيروت عام 1997، استحضر أشعيا متمنيًا أن تتحقق النبوءة في لبنان، بعد أن كان قد حمل إلى البلاد الإرشاد الرسولي “رجاء جديد للبنان”، الذي دعا اللبنانيين إلى فتح صفحة جديدة في تاريخهم.
لذلك، إذا حضرت نبوءة أشعيا في متز، فلن يكون استدعاء لبنان في سياق التفاتة إلى بلد بعيد عن قلب أوروبا. سيكون، في القراءة الرمزية، عودة إلى سؤال واحد، وهو: هل تستطيع أرض عرفت الألم أن تتحول إلى بستان، وهل تستطيع قارة عرفت الحرب أن تجد من جديد طريق السلام؟ وبين لبنان الذي طلب منه لاوون الرابع عشر أن يكون “علامة نبوية للسلام”، وأوروبا التي سيخاطبها من مدينة متز، يمكن أن تتشكل واحدة من أكثر صور الرحلة البابوية كثافة، وهي أن لبنان ليس فقط موضوعًا للرسالة، بل قد يكون مفتاحًا لفهمها.
داود رمال ـ نداء الوطن






