ليس بسيطاً أن ينسحب وزراء «القوات اللبنانية» من جلسة مجلس الوزراء احتجاجاً على عدم إحالة ملف متفجرات ضهر البيدر إلى المجلس العدلي. فالملف بالغ الخطورة، والمطالبة برفعه إلى أعلى مرجعية قضائية استثنائية حق سياسي مشروع، لكن مغادرة الجلسة لا تخدم التحقيق، ولا تعزز سلطة الدولة، التي طالما رفعت معراب شعار استعادتها، بل قد تُضعف الحكومة في لحظة تحتاج فيها إلى أقصى درجات التماسك.
لقد قرر مجلس الوزراء «متابعة ملفَي متفجرات ضهر البيدر والقصر في ضوء تقدّم التحقيقات»، تمهيداً لاتخاذ القرار المناسب بشأن إحالتهما، فيما اعتبر وزراء «القوات» أن مرور ثلاثة أسابيع، واعتراف الجهة المتورطة يبرّران الإحالة الفورية. ويمكن تفهّم هذا التشدد حيال قضية تهدد الأمن الوطني وتطرح أسئلة خطيرة حول شبكات السلاح والتهريب، إلا أن المواجهة الأجدى كانت بالبقاء داخل الجلسة، وفرض التصويت، وتسجيل الموقف في المحضر، ومتابعة الضغط حتى النهاية.
ما يزيد علامات الاستفهام أن هذه الخطوة جاءت بعد نحو أسبوعين من إعلان وزير الطاقة جو الصدي اعتكافه عن حضور جلسات مجلس الوزراء، اعتراضاً على طريقة معالجة أزمة الكهرباء وعدم اتخاذ القرارات التي اقترحها لتحسين ساعات التغذية. وهكذا تبدو الحكومة وكأنها تواجه نمطاً قواتياً متكرراً من الاعتراض بالغياب، في وقت يفترض أن تكون القوى السيادية أكثر الأطراف حرصاً على حضور المؤسسات وتفعيلها، ومنع إفراغها من الداخل.
السؤال هنا ليس عن حق «القوات» في الاعتراض، بل عن جدوى الوسيلة وتوقيتها: هل من مصلحة الفريق السيادي إضعاف السلطة الشرعية، وهي تخوض مفاوضات شاقة لإلزام إسرائيل بالانسحاب الكامل، وتواجه في الداخل تداعيات اكتشاف متفجرات حزب الله، وتحاول احتواء أزمات معيشية واجتماعية متراكمة.
المفارقة أن الانسحاب جاء فيما تستعيد الحكومة مظلة دعم عربية ودولية؛ من مساندة السعودية ودول الخليج العربي لمطلب الانسحاب وبسط سلطة الدولة، وإقدام قطر على تقديم الدعم الكبير لمعالجة أزمة الكهرباء، إلى تجديد فرنسا دعم سيادة لبنان والجيش، والترتيبات الدولية المطلوبة للجنوب. وهذه المظلة تحتاج إلى حكومة متماسكة، لا إلى صورة سلطة تتساقط مكوّناتها عند كل خلاف.
كان الأجدر بمعراب أن ترفع سقف المواجهة داخل مجلس الوزراء، لا أن تغادره. فالدولة لا تُبنى بالاعتكاف والانسحاب، ولا تُحمى بتحويل كل تباين إلى أزمة حكومية. ومن يريد محاسبة السلاح الخارج عن الشرعية، عليه أولاً ألّا يُضعف الشرعية نفسها؛ لأن أخطر خدمة يمكن تقديمها لأصحاب الدويلة هي إرباك الدولة، وشلّ حكومتها، وترك مؤسساتها معطلة في ساعة المواجهة.
-صلاح سلام- اللواء






