كتب الرئيس المؤسس لجمعية رجال الاعمال اللبنانيين ـ الفرنسيين أنطوان منسى:
"قد يتحوّل الاتهام، بفعل تكراره المستمر على وسائل التواصل الاجتماعي، إلى حقيقة راسخة في أذهان الناس. وفي النقاش الدائر حول الأزمة اللبنانية، كثيراً ما تُختصر المسؤولية بشخص واحد. قد تكون هذه الرواية مريحة، لكنها لا تعكس آليات النظام المالي ولا التوزيع الفعلي للمسؤوليات.
لا بدّ أولاً من توضيح فارق أساسي.
كانت شهادات الإيداع تصدر عن مصرف لبنان، وكانت المصارف التي تكتتب بها تصبح دائنة للمصرف المركزي.
أما سندات الخزينة واليوروبوندز، فكانت تصدر عن الجمهورية اللبنانية بإشراف وزارة المالية. وعندما كانت المصارف تشتري هذه السندات، كانت تموّل الدولة مباشرة.
وكان مصرف لبنان يؤدي دور الوكيل المالي للدولة، فيتولى، بصورة خاصة، تنظيم بعض عمليات الاكتتاب وتسويتها. غير أن هذا الدور التنفيذي لم يكن يجعله الجهة المصدرة لهذه السندات، إذ بقيت الدولة اللبنانية هي الجهة المدينة.
وتؤكد التقارير الرسمية الصادرة عن وزارة المالية هذه الوقائع. ففي مراحل مختلفة، كانت المصارف التجارية من أبرز المكتتبين في الدين العام. وكانت هذه التوظيفات تظهر في ميزانياتها وتخضع لقرارات هيئاتها الإدارية، ضمن الإطار التنظيمي الذي يضعه مصرف لبنان.
لذلك، من غير الدقيق القول إن المصارف وضعت جميع مواردها لدى مصرف لبنان، وإنه قرر بعد ذلك، منفرداً، إقراضها للدولة. فقد اكتتبت المصارف التجارية مباشرة بجزء مهم من سندات الدين العام.
لكن الدقة تقتضي أيضاً الاعتراف بالجانب الآخر من الحقيقة: كان مصرف لبنان نفسه يمتلك مبالغ كبيرة من سندات وأذونات الخزينة.
ففي الفصل الأول من عام 2014، اكتتب مصرف لبنان بنسبة 32 في المئة من إصدارات سندات وأذونات الخزينة بالليرة اللبنانية، مقابل 30 في المئة للمصارف التجارية. وعلى امتداد عام 2017، بلغت حصة المصارف 42.6 في المئة من الاكتتابات، فيما بلغت حصة مصرف لبنان 36.8 في المئة.
صحيح أن المادة 90 من قانون النقد والتسليف تكرّس مبدأ عدم منح المصرف المركزي قروضاً للقطاع العام، باستثناء التسهيلات المنصوص عليها في المواد السابقة. غير أن المادتين 88 و91 تجيزان، ضمن شروط محددة، تقديم تسهيلات خزينة مؤقتة أو تمويل في ظروف استثنائية الخطورة أو في حالات الضرورة القصوى.
لذلك، من غير الدقيق القول إن مصرف لبنان لم يموّل الدولة، تماماً كما أنه من غير الدقيق الادعاء بأنه كان المصدر الوحيد لهذا التمويل.
الحقيقة أننا أمام منظومة تتوزع فيها المسؤوليات على مستويات عدة:
● اقترضت الدولة وأنفقت وراكمت العجز؛
● أقرت الحكومات ومجلس النواب الموازنات والسياسات الضريبية وخيارات الإنفاق؛
● أدار مصرف لبنان السياسة النقدية، واستقطب توظيفات المصارف، واشترى سندات عامة، وساهم في تمويل القطاع العام؛
● وظّفت المصارف مبالغ كبيرة لدى مصرف لبنان واستثمرت مباشرة في دين الدولة، ولا سيما في ضوء العائدات التي كانت تتوقعها من هذه التوظيفات؛
● لم تنجح أجهزة الرقابة في منع تراكم المخاطر التي هددت المودعين والاقتصاد بأكمله.
وتضاف إلى ذلك المسؤوليات الخاصة بالوزارات ومديري المصارف والهيئات المكلفة بتنظيم النظام المالي والرقابة عليه. ولا يجوز لأي من هذه الجهات أن يخرج من دائرة المساءلة الجماعية عبر تحميل المسؤولية لطرف واحد.
ولا يعني ذلك أن جميع الأطراف تتحمل المسؤولية نفسها. فحصة كل طرف من المسؤولية يجب أن تُحدّد وفق صلاحياته وقراراته والعمليات التي أجازها.
يجب التحقيق في كل عملية مشبوهة، ومعاقبة كل مخالفة تثبت، واستعادة كل أموال يثبت أنها حُوّلت أو استُخدمت بصورة غير مشروعة. لكن التحقيق القضائي يجب أن يستند إلى وقائع دقيقة، وأن يحدّد القرارات المتخذة، وأن يعيّن بصورة موضوعية مسؤولية كل طرف.
ولا يمكن أن تحلّ مقاطع الفيديو الاتهامية أو الشعارات أو الأحكام الصادرة على وسائل التواصل الاجتماعي محل التحقيق القضائي.
للصحافة والمواطنين الحق في الحصول على المعلومات. لكن هذه المعلومات يجب أن تستند إلى وثائق قابلة للتحقق، ووقائع ثابتة، وعرض متوازن للآليات المالية. فالإعلام لا يعني إصدار الأحكام، كما أن التذكير بالمسؤوليات المؤسسية لا يعني الدفاع عن طرف بعينه.
لا يحتاج المودعون إلى كبش فداء. إنهم يحتاجون إلى معرفة الوجهة الدقيقة لأموالهم، ومن اتخذ قرارات توظيفها، ومن استفاد منها. وهم ينتظرون، قبل كل شيء، خطة جدية وعادلة لإعادة ودائعهم.
لا تُبنى الحقيقة بالضجيج، بل بالعودة إلى العقود والميزانيات وحسابات الدولة وقرارات المصارف والملفات القضائية.
إن الأزمة اللبنانية هي انهيار منظومة كاملة. واختزالها بشخص واحد قد يصرف الانتباه عن القرارات الجماعية، والإخفاقات المؤسسية، وسائر المسؤوليات التي ينبغي إخضاعها للتحقيق."






