جوانا فرحات
المركزية - لا توحي مشاهد ما خلفته المعارك في محافظة السويداء الأخيرة بعد دخول عشائر البدو على الخط بأن الإتفاق الرابع الشامل ثابت بعدما سقطت الاتفاقيات الثلاث قبل أن يولد بعضها.
أول اتفاق تم بين وزارة الدفاع السورية والقيادة الدرزية في 15 تموز، وشمل انسحابات جزئية ونشر قوات أمنية، لكنه سرعان ما انهار ليصار إلى توقيع اتفاق ثانٍ في اليوم التالي أعلنت عنه القيادة الدرزية سقط في أرضه، والحال نفسها في اتفاق الهدنة الذي وُقع في 18 تموز بعد تدخل دبلوماسي أميركي وتجددت الإشتباكات ودخلت عشائر البدو على الخط.
اليوم تغير المشهد أو بكلام أوضح تغير اللاعبون بعد دخول عشائر البدو ووقوع مجازر مروعة في السويداء، واتفق في 19 تموز على وقف شامل وفوري من الرئاسة السورية بدعم أميركي وتركي وأردني وإسرائيلي. هذه القفزة عكست محاولة جدية لتثبيت وقف إطلاق النار مع تدخل أطراف إقليمية ودولية وتحديدا الولايات المتحدة وتركيا والسعودية بشكل مباشر يقول الباحث والمحلل الجيوسياسي الدكتور جورج أبو صعب لـ"المركزية"، ويشير الى أن "الجميع خسر في هذه المعارك الدموية، لكن الدولة السورية هي التي انتصرت مع دخول الجيش إلى محافظة السويداء وهذا ما كان مطلوبا منذ البداية".
أما وقد تم تسليم السلاح الثقيل والمتوسط من قبل البدو والدروز ودمج الدروز في المستقبل السياسي إلى جانب بنود أخرى تضمنها الإتفاق المذكور يجوز السؤال، ألم يكن ممكنا تفادي كل هذه الجولات من المعارك وسفك الدماء وتهجير الأبرياء من منازلهم؟
يؤكد أبو صعب أنها ليست المرة الأولى التي تدخل فيها إسرائيل معركة بحسابات فاشلة، لكنها هذه المرة نسيت أو تجاهلت أن هناك رد فعل كبيرة ستكون من طرف العشائر العربية التي تتحد مع بعضها على مساحة الجغرافيا العربية من الخليج إلى فلسطين مما يشكل خطراً على امن إسرائيل خصوصا أن هناك عشائر عربية في إسرائيل قد تتضامن مع العشائر التي تقاتل في السويداء".
أما الخشية الأكبر بحسب أبو صعب فهي "اتخاذ الصراع منحىً طائفياً ومذهبياً مناهضاً للخط العربي وستكون له تداعياته في العالمين العربي والإسلامي خصوصا بين عشائر الدول العربية، فضلا عن الأعمال الإنتقامية التي يرجح أن تحصل ضد أبناء طائفة الموحدين الدروز المقيمين والعاملين في الخليج والعالم العربي".
يتابع" كل هذه الحسابات التي لم تأخذ بها إسرائيل دفعت تركيا بالتوافق مع السعودية إلى الطلب من الرئيس السوري أحمد الشرع مغادرة دمشق واللجوء إلى مكان أكثر أمانا إلى حين انتهاء القتال في السويداء. إلى ذلك لا تغيب عن بالنا أطماع إسرائيل المزمنة بتقسيم سوريا خصوصا وجعل الجنوب السوري منطقة أمن واستقرار تحت سيطرتها".
ويتوقف أبو صعب عند مسألة سقوط اتفاقيات الفصل التي وُقّعت عام 1974 بين القوات في الجولان بعد سقوط نظام بشار الأسد. وهذا ما مهد لإسرائيل بممارسة الضغوط باتجاهين: الأول تعزيز مبدأ التقسيم وثانيا إجبار السلطة السورية على التفاوض معها وتوقيع اتفاقية تطبيع مع إسرائيل تمهيدا لتوقيع اتفاق جديد بفصل القوات في الجولان والضواحي أي جنوب سوريا والسويداء ودرعا".
حتى مساء الجمعة وصل عدد القتلى منذ بدء القتال في محافظة السويداء إلى 940 غالبيتهم من المدنيين وسط تنامي المخاوف من تجدد الإشتباكات، وهي اندلعت فعلا في درعا بعد ساعات على إعلان اتفاق وقف النار الشامل مما يهدد بتوسع ساحات القتال وصولا إلى لبنان، حيث تتجه الأنظار إلى الجار الجنوبي المتأثر دومًا بارتدادات الأزمة السورية، وتحديدًا إلى مدينة طرابلس، التي تعيش على وقع ترقب وقلق من انتقال العدوى الأمنية والطائفية إليها.
مصادر مطلعة تؤكد لـ"المركزية" أنه منذ اندلاع المواجهات بين فصائل درزية ومجموعات مسلحة من البدو في السويداء، ثم دخول الجيش السوري على الخط، تعيش مدينة طرابلس حالة من التوازن الهش في ظل تركيبة سكانية حساسة تضم أطيافًا متنوّعة من اللبنانيين، إلى جانب عدد كبير من النازحين السوريين.
وتضيف" على رغم عدم وقوع اشتباكات مباشرة في المدينة حتى الآن، إلا أن السلطات الأمنية كثّفت انتشارها في محيط مداخل طرابلس ومخيمات النازحين غير الرسمية، بالتوازي مع دعوات صريحة من الحكومة اللبنانية ومرجعيات دينية، لعدم الانجرار وراء "التحريض الطائفي أو العرقي".
التدابير الاستباقية لمواجهة أي تطور مفاجئ اتخذها الجيش اللبناني خوفاً من حصول عمليات تسلل، أو عمليات انتقامية بين مجموعات من السوريين المقيمين، مع تشديد الإجراءات في بعض الأحياء ذات الكثافة السورية". أما على الصعيد الإنساني، فقد ازدادت الضغوط على المدينة بسبب نزوح أعداد إضافية من العائلات التي هربت من جنوب سوريا عبر الحدود غير الشرعية.
وتحذرالمصادر من إعادة إحياء انقسامات داخلية ظلت خامدة منذ نهاية المعارك في طرابلس عام 2014 في حال تمدد النزاع السوري إلى الداخل اللبناني ولو بشكل غير مباشر.
المشهد قاتم، وعيون اللبنانيين مشدودة إلى الجنوب السوري وارتباطه بذريعة تمسك حزب الله بالسلاح وتداعيات ذلك عشية موعد زيارة المبعوث الأميركي توم براك إلى لبنان. وفي السياق يقول أبوصعب أن ذرائع حزب الله لن تنتهي لكن سلاح الحزب بات أكثر قابلية للنقاش بسبب الضغط الكبير الذي يمارس على الدولة اللبنانية وتقصير المهل الزمنية. لذلك بات من الملح جداً إيجاد صيغة لهذا السلاح وليس كلام أمين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم إلا من باب التهويل لأن الملاحظ أنه تراجع في حديّته إفساحا في المجال أمام البحث في صيغ معينة".






