جوانا فرحات
المركزية – للمرة الأولى يقف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عاجزا أمام مثلث الازمات التي تقيده بدءاً من الداخل الإسرائيلي مرورا بالموقف الأميركي من قرار استمرار الحرب على قطاع غزة وصولا إلى تصاعد حدة التوتر مع حلفائه التقليديين.
من آخر الأزمات و أشدها وقعاً على الوضع داخل إسرائيل، ذاك البيان غير المسبوق في حدّيته الذي صدر عن ثلاث دول أوروبية هي بريطانيا وفرنسا وكندا وأشارت فيه إلى أن الظروف في غزة أصبحت "لا تُطاق"، وأن الإجراءات الإسرائيلية الأخيرة "غير كافية تمامًا" لمواجهة الكارثة الإنسانية. وحذرت الدول من "أن استمرار الحصار قد يشكل انتهاكًا للقانون الدولي وعليه ستتخذ إجراءات ملموسة إذا لم توقف إسرائيل هجومها "الفظيع "على قطاع غزة وترفع القيود المفروضة على المساعدات الإنسانية".
وبنفس وتيرة الحدية التي تضمنها بيان الدول الأوروبية الثلاث رد نتنياهو وقال "إن القادة في لندن وكندا وباريس يقدّمون جائزة ضخمة للهجوم العنيف على إسرائيل في 7 تشرين الأول 2023، ويدعون لمزيد من الفظائع المماثلة"، مضيفًا أن إسرائيل ستواصل القتال حتى تحقيق "النصر الكامل".
"موقف الإتحاد الأوروبي الحازم تجاه إسرائيل ليس كلاميا" تقول مصادر مطلعة لـ"المركزية" وإن كان نتنياهو يصرّ على التصعيد بالتهديد الكلامي تارة، وبإقناع الدول الأوروبية بأنه سمح بإدخال المساعدات الغذائية إلى قطاع غزة "بالقطّارة". فالإجراءات التي تعهدت الدول الأوروبية الثلاث، فرنسا وبريطانيا وكندا ستصبح ملموسة وسيبحثون في إمكانية تعليق اتفاقية الشراكة المبرمة مع تل أبيب إذا لم ترفع إسرائيل القيود الإنسانية عن غزة، وتوقف عمليات توسيع المستوطنات في الضفة وتعدّل في آلية توزيع المساعدات.. وتستند هذه المبادرة الهولندية المصدر إلى المادة الثانية من اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، والتي تسمح بتعليق الاتفاقية إذا أقر التكتل بوجود انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. إلا أن الخطوة تتطلب موافقة بالإجماع من جميع الدول الأعضاء في الإتحاد الأوروبي والبالغ عددها 27 دولة حتى يتم تمريرها.
العقوبات التي تتحدث عنها الدول الثلاث هي عقوبات إقتصادية وفق المصادر وستنعكس سلبا على الداخل الإسرائيلي لأنه يعتمد منذ بدء عملية طوفان الأقصى في 7 تشرين الأول 2023 على الإنفتاح الإقتصادي الموجود لديها من الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية.
إلى ذلك بدأت ملامح التضييق الأميركي على حكومة نتنياهو تتظهّر، إذ أعلن مسؤولون من الدائرة الضيقة لترامب أنه في حال لم تتخل إسرائيل عن لغة الحرب في قطاع غزة "سنتخلى عنكم". تهديد أميركي غير مسبوق وهذا ما دفع نتنياهو بحسب المصادر إلى عقد اجتماع طارئ مع كافة المؤسسات الأمنية من أجل البحث في هذا الموضوع. وترجح أن يكون قرار نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس إلغاء رحلته التي كانت مقررة إلى إسرائيل للضغط عليها والموافقة على إطار لوقف إطلاق النار.
قد يكون الضغط الدولي المتزايد هو ما دفع بنتنياهو إلى السماح بدخول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة الذي يعيش سكانه تحت الحصار منذ 11 شهرا. "إلا أن الكمية التي سمح بإدخالها تمثل أقل من 2 في المئة من الشحنات اليومية التي كانت تدخل قبل الحرب، ولن تُحدث فرقًا ملموسًا في الأزمة التي تطال معظم سكان القطاع البالغ عددهم 2.3 مليون نسمة". وهذا الأمر اقرّ به إذ صرّح بأن قراره السماح بدخول كمية قليلة من الغذاء إلى غزة جاء تحت ضغط من حلفاء مقربين. حيث قال إن "أعضاء مجلس الشيوخ" الذين هم "أعظم أصدقاء إسرائيل في العالم" حذروا من أنهم سيوقفون دعمهم للدولة بسبب صور الفلسطينيين الذين يعانون الجوع والمرض والعطش".
تضيف المصادر"لا المكابرة ولا الإنكار يفيدان إسرائيل المقيدة اليوم لأنها جزء من منظومة اقتصادية غربية رأسمالية معروفة. وإذا ما طبق الإتحاد الأوروبي العقوبات عليها، فإن إقتصادها سيشهد انكماشاً كبيراً وتدخل إسرائيل دوامة المشاكل والإضطرابات الداخلية خصوصاً داخل المؤسسة الأمنية والجيش الإسرائيلي وجنود الإحتياط الذين بدأوا يشعرون بالتململ وهناك حالات فرار وتملّص من التجنيد الإجباري. أضف إلى أن الإئتلاف الإسرائيلي فشل في فرض تجنيد إجباري جديد وزيادة عدد الإحتياط الذين سوف يتم استدعاؤهم للقتال في قطاع غزة.من هنا يرجح أن تتوسع مسألة إدخال المساعدات الإنسانية إلى القطاع أكثر في الأيام المقبلة".
من الواضح أن التحولات الجيوسياسية في المنطقة وجنوح ترامب الحليف الأقوى لنتنياهو نحو تحقيق مشروع السلام في الشرق الأوسط سيضع إسرائيل خارج سلم أولوياته وهذا التوقيت استفادت منه الدول الأوروبية التي انتقدت بشكل كبير الحرب على غزة وتجلى الأمر مع اعتراف عدد منها بالدولة الفلسطينية مثل إسبانيا وإيرلندا والنروج بما يمثل خطوة مباشرة ضد توجهات حكومة نتنياهو.
إلى هذه الملفات، تبرز مذكرة التوقيف المحتملة ضد نتنياهو بتهم جرائم حرب والمدعومة ضمنيا من بعض العواصم الأوروبية. ولا يبدو الداخل الإسرائيلي أقل اهتزازا حيث تواجه حكومة نتنياهو احتجاجات داخلية ضخمة بسبب الإخفاق في حماية إسرائيل من هجوم 7 تشرين الأول ومن إطالة أمد الحرب من دون رؤية استراتيجية واضحة، إضافة إلى الإنقسامات بسبب ملف الرهائن وتراجع الثقة في القيادة".
وتختم المصادر" لعله من المبكر القول أن السحر انقلب على الساحر" في ما خص رئيس الوزراء الإسرائيلي لكن المؤكد أن العد العكسي لعهد نتنياهو بدأ والأكيد أنه لن يكون حاضرا في مشهدية مشروع الشرق أوسط الجديد".






