أثارت ساعات ذكية ارتداها قادة عسكريون بارزون في إيران والتقطتها عدسات الكاميرات ضجة واسعة مؤخرا وسط مخاوف من حالة تراخ واستهتار أمني يرى بعض المنتقدين أنها قد تكلفهم حياتهم، خاصة مع التذكير بعملية "البيجر" الإسرائيلية النوعية.
وكانت إسرائيل نفذت أكبر عملية اختراق أمني في تاريخ "حزب الله" اللبناني عبر أجهزة النداء الآلي "البيجر" التي عملت توصيلها لشرائح تنظيمية واسعة داخل الحزب وفجرتها عن بعد؛ ما أسفر عن مقتل وإصابة أكثر من 3000 قيادي وعنصر من الحزب في لبنان وسوريا.
وسلطت قناة "إيران إنترناشونال" من خلال تقرير مدعم بالصور، الضوء على الوضع الأمني الإيراني قائلة إنه تم تصوير مسؤولين عسكريين وأمنيين إيرانيين كبار وهم يرتدون ساعات ذكية؛ ما أثار انتقادات جديدة لانضباطهم الأمني الشخصي، بعد سنوات من التقارير التي تفيد بأن إسرائيل استخدمت أجهزة إلكترونية حول القادة الإيرانيين لتتبعهم وقتلهم.
وأثارت الصور ردود فعل واسعة النطاق بعد أن نشرها علي غولهاكي -وهو معلق محافظ تربطه صلات بالمؤسسة الأمنية الإيرانية- على منصة "إكس" يوم الجمعة؛ وتصفه بعض وسائل الإعلام الإيرانية بأنه مقرب من رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، وفق القناة.
وتُظهر الصور ساعات ذكية في معاصم 3 رجال: غلام رضا جلالي، رئيس "منظمة الدفاع السلبي" (الجهة المسؤولة عن حماية البنية التحتية الحيوية في إيران)؛ ورضا فراحي، وهو مسؤول في وزارة الدفاع؛ وعلي شمخاني، الأمين السابق للمجلس الأعلى للأمن القومي.
وقُتل شمخاني في غارات جوية أمريكية-إسرائيلية يوم 28 فبراير/ شباط، وهو اليوم الأول للحرب الحالية، وذلك بعد أن كان قد نجا من ضربة إسرائيلية في يونيو/ حزيران 2025.
إسرائيل تستغل الثغرات الإلكترونية
وعندما سأله مراسل وكالة "فارس" للأنباء عن ساعته، تساءل جلالي عما إذا كان الناس يقتنون أجهزة تلفاز ذكية في منازلهم، مشيراً إلى أن جهازه يمثل في جوهره الشيء نفسه.
غير أن غولهاكي رفض هذه المقارنة؛ إذ جادل بأن المسؤول عن حماية البنية التحتية الحيوية للبلاد يواجه مستوىً مختلفاً من المخاطر مقارنة بالمواطن العادي، كما أنه يصعب تبرير استخدام كبار المسؤولين الأمنيين لمثل هذه الأجهزة، لا سيما وأن إسرائيل دأبت على استغلال الثغرات الإلكترونية لتتبع أفراد إيرانيين.
ويمكن للساعات الذكية نقل بيانات الموقع والنشاط عبر تقنيات تحديد الموقع الجغرافي (GPS) أو البلوتوث أو شبكة "واي فاي" أو من خلال هاتف مقترن بها، كما تحتوي بعض هذه الساعات على ميكروفونات ومستشعرات أخرى.
ولطالما فرض الجيش الأمريكي قيوداً على استخدام أجهزة تتبع الموقع -بما في ذلك الساعات الذكية- في مناطق العمليات؛ نظراً لأنها قد تكشف عن التحركات والأنماط الروتينية.
التخوف من اغتيالات قادمة
ففي عام 2018، كشفت "خريطة حرارية" عامة خاصة بأحد تطبيقات اللياقة البدنية عن مخططات القواعد الأمريكية استناداً إلى مسارات الجري التي يتبعها الجنود.
ويمس هذا الجدل نقاشاً أوسع نطاقاً داخل الجمهورية الإسلامية حول الإخفاقات الاستخباراتية المتكررة. فخلال الحرب التي استمرت 12 يوماً في يونيو/ حزيران 2025، حظرت قيادة الأمن السيبراني الإيرانية على المسؤولين وفرق حمايتهم استخدام أي جهاز متصل بشبكات الاتصالات العامة، وذلك وسط تزايد المخاوف من استغلال تتبع الهواتف المحمولة في عمليات اغتيال محددة الأهداف؛ حسبما أفادت وكالة أنباء "فارس".
وشملت التوجيهات الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر المحمولة والساعات الذكية، محذرةً من أن مجرد إيقاف تشغيل الجهاز قد لا يحول دون تحديد موقعه.
غير أن هذه الخطوة جاءت متأخرة؛ إذ أفادت صحيفة "نيويورك تايمز" لاحقاً -نقلاً عن مسؤولين إيرانيين وإسرائيليين- بأن إسرائيل تمكنت من تتبع واستهداف قادة إيرانيين بارزين وعلماء نوويين خلال تلك الحرب، وذلك عبر اختراق هواتف حراسهم الشخصيين وسائقيهم.
وفي 16 يونيو/ حزيران 2025، اجتمع المجلس الأعلى للأمن القومي في حصنٍ محصّن يقع في عمق جبلٍ غربي طهران؛ ورغم أن أياً من المسؤولين لم يكن يحمل هاتفاً، إلا أن الإسرائيليين تمكنوا من رصد الاجتماع عبر هواتف الحراس الشخصيين الذين تولوا نقلهم إلى الموقع.
وكان هؤلاء الحراس قد استُثنوا لفترة طويلة من قيود حظر الهواتف الصارمة المفروضة على القادة أنفسهم، حتى بعد عمليات اغتيال سابقة.
وربط غولهاكي بين الساعات الذكية وتلك الإخفاقات مباشرةً، معتبراً أن حالة التراخي قد ساعدت إسرائيل والولايات المتحدة على تصفية شخصيات عسكرية وأمنية وسياسية بارزة خلال حروب متعاقبة. كما دعا إلى إحداث تغييرات جوهرية في الممارسات الأمنية، وجدد مطالبته بإجراء تحقيق شامل - بعد انتهاء الحرب - حول ملابسات وقوع تلك الإخفاقات.
يُذكر أن غولهاكي نفسه كان ضمن مجموعة من القائمين على قنوات في تطبيق "تيليغرام" اعتقلتهم وحدة مكافحة التجسس التابعة للحرس الثوري عام 2022، بتهمة إثارة الرأي العام ونشر وثائق سرية، وفق القناة.
لم يُبدِ القضاء مثل هذا التسامح تجاه الإيرانيين العاديين المتهمين بارتكاب مخالفات أقل جسامة بكثير.
ففي شهر أغسطس/ آب، أصدرت "المحكمة الثورية" حكماً بالإعدام على المدونة مرضية "سيفدا" إبراهيمي شمسآبادي -وهي شابة تبلغ من العمر 33 عاماً وتنحدر من مدينة بندر عباس ومحتجزة منذ شهر مارس- بتهم شملت إهانة المرشد الأعلى، والقيام بأنشطة استخباراتية لصالح حكومات معادية، والتقاط صور لموقع أصيب بصاروخ وإرسالها إلى وسائل إعلام ناطقة بالفارسية في الخارج.
وتعلقت إحدى التهم بصورة قيل إنها التقطتها -من مسافة بعيدة- لموقع تعرض لضربة صاروخية؛ وقد وُضعت قيد الحبس الانفرادي لمدة 20 يوماً وتعرضت لضغوط شديدة أثناء استجوابها.






