بات مؤكداً أن أي تقدم في المفاوضات بين لبنان وإسرائيل يرتبط بنزع سلاح «حزب الله» وهو أمر لم يعد من الممكن القفز فوقه لتحقيق خطوات نحو تنفيذ المزيد من المناطق النموذجية في جنوب لبنان بعد تجربة زوطر الغربية. فإذا كانت الجولة السابعة من مفاوضات روما التي انعقدت برعاية أمريكية خرجت ببعض التقدم في بنود والكثير من التعقيدات المتراكمة في بنود أخرى، فإنها قد تواجه في الأيام المقبلة واقعاً ميدانياً يجنح نحو تصعيد إسرائيلي في وقت يواصل «حزب الله» توجيه أقسى الاتهامات للسلطة السياسية، مستهجناً ما يصفه «انتهاج سياسة الخضوع والاستسلام والتفاوض المذل مع العدو الصهيوني ومتابعة جلسات التفاوض غير آبهة بكل الخروقات والانتهاكات الجسيمة لوقف إطلاق النار».
غير أن «حزب الله» يتجاهل أن هذه السلطة ليست هي من زجّت البلاد في حروب إسناد خاسرة وليست هي مَن يتحمّل نتائجها، بل من اتخذ قرار هذه الحروب. فيما الدولة اللبنانية تفاوض حالياً دفاعاً عن حقوقها وسيادتها ولعدم إبقاء قرار الحرب والسلم خارج مؤسساتها. وتسأل أوساط وزارية «إذا كان التفاوض مذلاً فلماذا تفاوض إيران مع الولايات المتحدة الأمريكية التي تعتبرها الشيطان الأكبر؟ وهل ما هو مسموح للسلطة في طهران غير مسموح به للسلطة في بيروت؟ ثم ما هو البديل عن المفاوضات وهل بمقدور «حزب الله» مواجهة حرب جديدة وكلفتها على البلد وعلى الجنوب وأهله خدمة لمشروع إيراني؟».
واللافت أن مفاوضات روما التي تحدد موعد جديد لها أوائل شهر أيلول/سبتمبر المقبل تزامنت مع تاريخي 5 و7 آب/أغسطس وهما الموعدان اللذان اتخذت فيهما الحكومة اللبنانية قرارات هامة بحصرية السلاح بيد الدولة وقواها الأمنية الشرعية فقط، ووضعت خططاً لنشر الجيش اللبناني بدءاً بجنوب نهر الليطاني، قبل أن يتبيّن بعد حرب إسناد إيران أن تلك المنطقة لم تصبح منزوعة السلاح تماماً كما أن بيروت العاصمة لم تصبح أيضاً منزوعة السلاح بدليل ما تم اكتشافه صدفة من أسلحة وذخائر في إحدى الشقق السكنية في محلة رأس النبع التي يقطنها عنصر من «حزب الله».
هذا الواقع يفرض ذاته على السلطة و«الحزب» معاً، لأن أي انسحاب إسرائيلي مرتبط بتحقيق تقدم في عملية حصرية السلاح وهو ما يرفضه «حزب الله» ولا يتعاون فيه مع الدولة، لا بل يعمد إلى تخوين كل من رئيس الجمهورية جوزف عون ورئيس الحكومة نواف سلام وسائر معارضيه لدى إصرارهم على وضع حد للسلاح غير الشرعي. وهذا أمر يُدخِل البلاد في «نفق» مظلم ويؤدي ربما إلى تجميد إسرائيل للمفاوضات وتخفيف الضغوط الأمريكية عليها لعدم اللجوء إلى تصعيد في الجنوب، كما يؤدي إلى تبدل الرهانات الدولية على دعم الجيش اللبناني في انتظار رؤية خطوات جدية في موضوع نزع السلاح. من هنا، بعد مرور سنة على قرار الحكومة اللبنانية بحصرية السلاح، تؤكد الأوساط الوزارية عدم جواز تعطيل هذا القرار أو بقائه معلقاً لأن معادلة تحرير الجنوب من جيش الاحتلال الإسرائيلي باتت مرتبطة بمصير سلاح «حزب الله»، فهذا هو الامتحان وليس من حق «الحزب» اتهام السلطة بأنها تفشل في انتزاع أي مكسب في المفاوضات طالما أنه يعترض على أي تسليم لسلاحه. وهذا ما يجعل لبنان يعيش أخطر مرحلة منذ بدء المفاوضات، لأن الدبلوماسية تسير على وقع الميدان. فإذا نجحت روما وتعاون «حزب الله» مع الدولة، قد تدخل البلاد مرحلة تثبيت الهدوء واستكمال الانسحاب الإسرائيلي من مناطق نموذجية جديدة. أما إذا بقي «الحزب» على موقفه الرافض، فقد تستغل إسرائيل الموقف لتجميد المفاوضات أو فرض شروط أكثر تشدداً. ومن المعروف أن أي حادث أمني في الجنوب قد يعيد الأمور إلى نقطة الصفر.
والمفارقة السياسية في هذا المجال هي إعلان أمين عام «حزب الله» الشيخ نعيم قاسم عدم ممانعته اللقاء العلني مع الرئيس السوري أحمد الشرع بعد مشاركة حزبه ضده في القتال في سوريا إلى جانب نظام بشار الأسد واعتباره خطراً وجودياً على الطائفة الشيعية، فيما هو يرفض الجلوس مع السلطة اللبنانية أو التعاون معها. ويؤشر موقف قاسم إلى أن «الحزب» الذي كان يعتبر سوريا إحدى ساحات نفوذه الأساسية في عهد الأسد أصبح اليوم مضطراً إلى طلب لقاء مع القيادة السورية الجديدة. وهذا يعكس اعترافاً ضمنياً من «الحزب» بتغيّر موازين القوى في المنطقة وبفقدانه العمق السوري الذي كان يشكل طريق إمداده الأساسي من إيران.
ويأتي موقف نعيم قاسم بعدما سبق للرئيس السوري أن أجاب على سؤال في شهر حزيران/يونيو الفائت عن إمكان الجلوس مع «حزب الله» ما مفاده «إذا كان اللقاء يخدم مصالح لبنان ويحمي مصالح سوريا فلم لا؟». وأعقبه تصريح لوزير الخارجية السوري أسعد الشيباني من بيروت يبدي فيه الاستعداد للانفتاح على لقاء مع «حزب الله» إذا اقتضت المصالح ذلك. إلا أن ما يعيق مثل هذه اللقاءات بين القيادة السورية و«حزب الله» هو إرث الحرب السورية بعدما شارك «الحزب» في قتال الشعب السوري، في حين يعتبر البعض أن انفتاح «حزب الله» على اللقاء يأتي في محاولة لقطع الطريق على أي تدخل عسكري سوري بعد تصريحات متكررة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب يلوّح فيها بتدخل الرئيس الشرع لحل مشكلة «الحزب».
سعد الياس - القدس العربي






