May 09, 2020 7:31 AM
صحف

هل تتكرّر تجربة "سيدر" مع صندوق النقد ويُترك لبنان لمواجهة مصيره لوحده؟

على ما تتقاطع حوله تقديرات الخبراء الاقتصاديين، لم يعد لبنان يملك امكانية تضييع الوقت، على جاري ما كان معمولاً به في السنوات الماضية، فلكل دقيقة او ثانية ثمنها الباهظ الكلفة، ولبنان بوضعه الحالي ليس قادراً على ان يدفع شيئاً.

ووفق ما كشفه خبير دولي لـ"الجمهورية"، فإنّ صندوق النقد قد يفرض شروطاً مسبقة قبل الموافقة على بدء تمويل الخطة. وهذا الامر سيرفع سقف التحدّي بالنسبة الى الحكومة، لأنّها ستكون مطالبة في البدء بتنفيذ الاصلاحات قبل الحصول على اي فلس من الصندوق. وبذلك، يكون الوضع شبيهاً بأموال "سيدر" التي كان ينبغي ان تتدفق، بعد بدء لبنان تنفيذ اصلاحات مُتفق عليها، وهو الامر الذي لم يحصل. وبالتالي، هناك قلق من ان تتكرّر تجربة "سيدر" مع صندوق النقد الدولي، ويُترك لبنان لمواجهة مصيره لوحده.
إصلاحات
وكما يتفق الخبراء في الاقتصاد والمال، فإنّ الضرورة مسارعة الحكومة الى خطوات اصلاحية، والتعيين الفوري للهيئات الناظمة للكهرباء والاتصالات والطيران المدني، وخصوصاً انّ هذا التأخير اعتبرته المؤسسات الدولية على اختلافها فضيحة، واتهمت من خلالها المسؤولين في لبنان بالعمل خلافاً لمصلحة بلدهم وبالسعي الى تخريبه، وعلى خط موازٍ سدّ الثغرات الفاضحة في الادارة اللبنانية، وخصوصا إتمام التعيينات في حاكمية مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف واسواق المال، والاهم من كل ذلك هو تأكيد استقلالية القضاء اللبناني، وهذا يحتّم بالدرجة الاولى الإفراج عن التشكيلات القضائية كما اعدّها مجلس القضاء الاعلى على أساس الكفاءة والدرجة. واذا كان رئيس الجمهورية العماد ميشال عون قد اشار الى وجود ثغرات فيها من دون ان يحدّد ماهيتها، فإنّه سبق أن رُدَّت هذه التشكيلات الى مجلس القضاء، الذي اصرّ عليها كما اعدّها بعيداً من التسييس، ما يبقي كرة التشكيلات في ملعب رئيس الجمهورية.
نقطة الضعف
على انّ نقطة الضعف للبنان في هذه المفاوضات، ليس فقط في وضعه المهترئ مالياً واقتصادياً واجتماعياً ومعيشياً، بل في عدم تمتّع المفاوض اللبناني بالحصانة المطلوبة لموقفه في هذه المفاوضات الصعبة، ومردّ ذلك الى الواقع السياسي غير الموحّد خلف الحكومة، يُضاف الى ذلك الافتراق الداخلي حول صندوق النقد الدولي، بين مطمئن للتعاطي مع الصندوق باعتبار انّ اللجوء إليه يشكّل السبيل الوحيد المتاح أمام لبنان، وبين قلق مما يسمّيها شروطاً تعجيزيّة ووصاية ومصادرة قرار، بناء على تجارب سابقة بين الصندوق ودول عدة وجدت نفسها تحت وصاية الصندوق.
جولات من المفاوضات
الى ذلك، قالت مصادر في وزارة المالية لـ"الجمهورية": "اننا لا نستطيع ان نقول اننا متفائلون او متشائمون حيال المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، مع أنّ اسباباً كثيرة تدفعنا الى التفاؤل".
واشارت الى انّ "الجانب اللبناني على اتمّ استعداد للبدء بالمفاوضات الجدّية مع صندوق النقد، وأعدّ ملفاته كاملة لهذا الاستحقاق، وجهّز نفسه للدخول في جولات متعدّدة من المفاوضات، علماً انّ الاشارات الإيجابية التي تلقيناها من الصندوق، تدفعنا الى الاعتقاد بأننا قد لا نكون امام مسار طويل من المفاوضات".
ورداً على سؤال قالت المصادر: "الملف جاهز، ومطمئنون الى أنّ الخطة الحكومية للإنقاذ تتمتع بكلّ المواصفات التي تجعلها مقنعة لصندوق النقد الدولي ولكل المجتمع الدولي، خصوصا وأنّ الكثير من مندرجات الخطة لم يكن الصندوق بعيداً منها".
وعمّا اذا كان لبنان قلقاً من صندوق النقد، قالت المصادر: "حتى الآن لا نرى انّ هناك سبباً يجعلنا نقلق من صندوق النقد الدولي، لا نريد ان نستبق الامور، وفي اي حال، نحن نذهب الى المفاوضات تحت سقف الخطة الإنقاذية، التي نراها خريطة طريق الخروج من الأزمة، وليس تحت اي سقف آخر، سياسياً كان او غير سياسي".
ولفتت المصادر الانتباه الى "اننا اذا ما انتهينا بسهولة وسرعة مع صندوق النقد الدولي، فهذا يسهّل علينا اكثر التفاوض مع الدائنين، وبعدها نذهب مباشرة الى "سيدر" للاستفادة من تقديماته. وليس مستبعداً في هذه الحالة ان تبادر بعض الدول، الى مدّ يد المساعدة المباشرة للبنان".
مصلحة لبنان
الى ذلك، يبدو جلياً انّ الحكومة تضع كل بيضها في سلّة المفاوضات مع الصندوق، على امل ان تحقق منها النتائج المرجوة. وقالت اوساط السراي الحكومي لـ"الجمهورية": "نحن على عتبة الدخول في مفاوضات تاريخيّة ومصيريّة مع صندوق النقد الدولي، ونعوّل على ان نحقق فيها الانعطافة النوعية في الوضع الاقتصادي نحو الإنفراج الذي نتوخّاه مع وضع خطة الحكومة موضع التنفيذ".
ورداً على سؤال حول المخاوف من صندوق النقد، قالت الاوساط: "هناك خشية لدى بعض الاطراف من أن يفرض صندوق النقد شروطاً قاسية على لبنان، الى حدّ فرض وصايته عليه، وهناك من تخوّف من الكلام الاخير لمساعد وزير الخارجية الاميركية دايفيد شينكر، الذي توقّع فيه وضع اقتصاد لبنان تحت رقابة صندوق النقد الدولي. فما نستطيع ان نؤكّد عليه هو انّ لبنان ذاهب الى المفاوضات مع الصندوق بشروطه، التي تبدأ وتنتهي عند مصلحة لبنان، وبالتالي ما يناسب مصلحة لبنان نوافق عليه، وما ليس مع هذه المصلحة لن نوافق عليه ولا على اي امر يتعارض مع سيادته الوطنية. هذا هو الحال بكل بساطة".
تشجيع ديبلوماسي
الى ذلك، عكست مصادر وزارية معنيّة بالخطة الاقتصاديّة لـ"الجمهورية" ارتياحاً من حركة السفراء والديبلوماسيّين الغربيّين والامميّين، التي تكثفت خلال الايام القليلة الماضية. وقالت، "انّ السفراء والديبلوماسيين عبّروا عن تقدير صريح لمضمون الخطة، ولمسنا تشجيعاً واستعداداً واضحاً لتقديم المساعدة للبنان. لكن مع التأكيد المتجدّد على لبنان لكي يبادر الى الإجراءات الاصلاحية".
فرصة الانتعاش .. ممكنة
هذا الأمر، وبحسب معلومات "الجمهورية"، أعاد التأكيد عليه مسؤول كبير امام عدد من الوزراء، حيث قال: "معلوم انّ انهيار اقتصاد لبنان لم يعد فرضيّة، بل صار واقعاً ملموساً، والحكومة قالت انّها وضعت الخطة الإنقاذية من اجل تجنيب البلد سيناريوهات كارثية، ونحن نشاطرها هذا الرأي حول السيناريوهات الكارثية، مع التأكيد انّ لدينا سلسلة ملاحظات على الخطة ستُطرح في الوقت المناسب، وخصوصاً خلال نقاش الامور المرتبطة بها في مجلس النواب".
اضاف: "امام هذا الواقع انا اجزم انّ الحكومة لا تستطيع ان تجيب عن السؤال المصيري الذي يطرحه كل لبناني: الى متى يمكن للمواطن ان يصمد بعد؟ ومن هنا لا يكفي تطمين المواطن بالكلمات، بل بالخطوات التي ينبغي ان تصاحب مهمة المفاوض اللبناني مع صندوق النقد الدولي وتحصّنها بعيداً من مزايدات اللعبة السياسية، التي مع الأسف أُديرت على مدى سنوات طويلة بأسوأ الالعاب الصبيانية".
واكّد المسؤول الكبير، "انّه على رغم المستوى الذي بلغناه من الانهيار، فإنّ فرصة إعادة الانتعاش ما زالت ممكنة ومتاحة، وامام الحكومة سلّة مبادرات علاجية ينبغي ان تسارع اليها، ولعلّ اولاها السعي فوراً الى بناء التوافقات السياسية اللازمة على البديهيات الاصلاحية، التي من شأنها ان تُفرج عن اموال، او بالاحرى قروض صندوق النقد، وبعده "سيدر".
والأهم من كل ذلك، يضيف المسؤول نفسه، "انّ هذه البديهيات، تعيد للبنان بعض ماء وجهه، الذي فُقد مع انعدام ثقة المجتمع الدولي به، بفعل الشوائب والموبقات التي كانت تُرتكب على كل الصعد، واهمها استباحة القروض والمساعدات الخارجية وابتلاعها وتوزيعها على المحظيين والمحاسيب. ولطالما تلقّى لبنان على مدى السنين الماضية "رسائل توبيخ" من مستويات دولية متعدّدة، تعبّر عن الامتعاض الشديد من انّ المساعدات التي تقدّمها تلك الدول، كانت تذهب الى جيوب بعض المسؤولين وانصارهم".
شروط قاسية
الى ذلك، قال مصدر ديبلوماسي غربي لـ"الجمهورية: "انّ على لبنان ان يحسّن ادارة مفاوضاته مع صندوق النقد، لكي يحقق نتائج سريعة، ذلك انّ الصندوق ليس متفرّغاً بالكامل للبنان، ولن يمنحه كل وقته، فهناك عشرات من الدول المتعسّرة تنتظر".
ورداً على سؤال عمّا اذا كان المجتمع الدولي بصدد تقديم مساعدات للبنان، اوضح المصدر "انّ المجتمع الدولي يعيش اليوم قلق ازمة "كورونا" وآثارها السلبية على اقتصادات العالم، وقبله مرحلة القلق من الركود او الكساد على وقع الحروب التجارية بين الدول الكبرى، التي تدفع الاقتصاد العالمي الى منزلقات خطيرة. فإذا كانت هذه صورة المجتمع الدولي واولوياته، فلبنان حتماً ليس ضمنها، وهنا تقتضي المصارحة بأنّ المجتمع الدولي وما بعد "كورونا"، صار اقل استعداداً لأن يكون سخياً تجاه لبنان. من هنا، وطالما انّ ليس امام لبنان سوى صندوق النقد، فعليه بالتأكيد ان يتوقع شروطاً قاسية من الصندوق".
 

إخترنا لك

Beirut, Lebanon
oC
23 o